ثورة الملك والشعب: من جهاد التحرير إلى جهاد بناء مغرب الغد

عبد المقصود الراشدي (مأخوذ من صفحته الرسمية على الفايسبوك )
يحتفي المغرب اليوم بذكرى ثورة الملك والشعب، وبعد أكثر من سبعة عقود، تبرز أهمية هذه اللحظة التاريخية التي أفضت إلى استقلال المغرب عن الاستعمار الفرنسي، وأكدت التعاون الوثيق بين الملكية والحركة الوطنية والمقاومة في الدفاع عن الحرية والاستقلال، والتشبث بالنظام الملكي لقيادة المغرب نحو «الجهاد الأكبر» بعد «الجهاد الأصغر»، كما عبّر عن ذلك المغفور له جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه.
وقد تأكد هذا الاختيار الاستراتيجي للمغرب، ملكاً وشعباً، مرة أخرى في مطلع سبعينيات القرن الماضي، ومع المسيرة الخضراء التاريخية، التي جسدت خيار مواصلة تحقيق الوحدة الترابية، إلى جانب الانفتاح السياسي والمسلسل الديمقراطي، كما سماه المرحوم عبد الرحيم بوعبيد. وهو المسار الذي مهد للمصالحة التاريخية وبداية الانتقال الديمقراطي الذي قاده المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، تغمده الله بواسع رحمته، بمشاركة مجموعة من القيادات التاريخية، وفي طليعتها السي عبد الرحمن اليوسفي، رحمه الله، أحد كبار قادة الحركة الوطنية وجيش التحرير، بما أسهم في تعزيز استقرار الدولة والوحدة الوطنية، وترسيخ الأمن والعدالة والانفتاح على المستقبل.
إن مواصلة «الجهاد الأكبر» تعني اليوم ترسيخ الدولة وتحديثها، والارتقاء بالمجتمع وفتح آفاق مستقبلية أمامه، بما يضمن الاستقرار والأمان والطمأنينة، ويحقق التنمية الحقيقية والعدالة بمختلف مضامينها، ويعزز المسار الديمقراطي، في سياقات متحولة تتسم بظهور أجيال جديدة، ومشهد حزبي مغاير، ونخب متباينة، وانتظارات سياسية واجتماعية واقتصادية متعددة، فضلاً عن منافسات إقليمية شرسة، لا تخلو أحياناً من ممارسات غير نزيهة، ومطامع دولية وجيوستراتيجية قد تتعارض مع مصالح المغرب.
وهذا «الجهاد الأكبر» يقوده اليوم جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، بصبر وحكمة وتبصر، من أجل بناء مغرب الغد، وتعزيز الثقة في الوطن، والسير بوتيرة متقاربة بين مختلف جهاته وفئاته، وتوسيع دائرة الاستفادة من الثروات الوطنية، ومحاربة الفساد، وتحقيق التنمية والمساواة والعدالة المجالية والاجتماعية.
ولذلك، فإن ضمان التلاحم بين الملكية والشعب، الذي نعتز به في هذه الذكرى المجيدة، يظل من مقومات قوة المغرب واستقراره، ومن ركائز مشروعه في بناء ملكية ديمقراطية حداثية، بما يعزز التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية، ويدعم العدالة، ويواصل مسار استكمال الوحدة الترابية، وتطوير المشروع الحداثي الديمقراطي للدولة والمجتمع.
وهي مناسبة أيضاً للدعوة إلى مزيد من الاهتمام بالتاريخ المغربي الحديث وجغرافية المغرب، من خلال إعداد برامج وكتب وأشرطة وثائقية يقدمها مؤرخون ومختصون لفائدة الأجيال الحالية، حتى تتعرف على الرهانات المطروحة أمام وطنها، وتستوعب تطور مفاهيم الوطن والدولة والدستور والمؤسسات والمواطنة والاستقرار والسلم والوفاء والانتماء والمشروع الحداثي والتعاقد الاجتماعي والديمقراطية والعيش المشترك.
والأهم من ذلك، أن تدرك هذه الأجيال بعمق معنى الشعار الذي اختصر مسيرة أمة وتاريخ دولة: الله، الوطن، الملك.
تثمينا للحاضر، واستعداداً للمستقبل.



