مقالات الرأي

ربع قرن بعد 11 شتنبر: الإرهاب يتغيّر… والخطر لا يأتي دائماً من الخلية

بقلم: مولاي أحمد الدريدي، فاعل سياسي و حقوقي، المنسق الوطني للجبهة الوطنية لمناهضة التطرف والإرهاب. الكاتب العام للمركز المغربي من اجل ديمقراطية الانتخابات
يصادف اليوم، 11 شتنبر 2026، مرور ربع قرن على واحدة من أبشع الجرائم الإرهابية في التاريخ الحديث. أربعة طائرات مدنية تحولت إلى أسلحة، وحصدت أرواح نحو ثلاثة آلاف إنسان، وغيّرت وجه العالم والسياسات الدولية لعقود.
لكن الصدفة، أحياناً، تحمل شيئاً من الحكمة. فذكرى 11 شتنبر تأتي هذا العام متزامنة تقريباً مع بداية الحملة الانتخابية التشريعية في المغرب. وبين الحدثين مسافة جغرافية وتاريخية هائلة، لكن ثمة سؤالاً واحداً يجمعهما: كيف نحمي المجتمع من العنف السياسي عندما يبدأ أولاً بالكلمة، وبنزع الشرعية عن الآخر، وبإقناع الناس بأن الخصم ليس مجرد خصم، وإنما عدو؟
بعد 25 سنة، لم ينته الإرهاب. لكنه تغيّر.
وهذه هي الخلاصة الأساسية التي يمكن استخلاصها من الملف المنشور اليوم ب Washington Post الخاص بذكرى 11 شتنبر. فالصحيفة تشير إلى أن تنظيمي القاعدة وداعش في شكلهما المركزي تعرضا لضربات قاسية، وأن احتمال تكرار عملية بحجم 11 شتنبر تراجع بصورة كبيرة. لكنها، في الوقت نفسه، تحذر من أن الإرهاب لم يختف، وأن التهديد أصبح أكثر تركيباً: دول معادية، شبكات مسلحة، حرب سيبرانية، طائرات مسيرة، ذكاء اصطناعي، تأثير أجنبي، بيولوجيا اصطناعية، واستهداف للبنية التحتية.
بعبارة أخرى: لم ينتصر العالم على الإرهاب بقدر ما أجبره على تغيير أدواته.
لقد كان نموذج القاعدة واضحاً: تنظيم، أيديولوجيا، خلايا، وتخطيط لعملية إرهابية مباشرة. أما بعض النماذج المعاصرة، وفي مقدمتها النموذج الإيراني، فتبدو أكثر تعقيداً: دولة، أجهزة، شبكات ووكلاء، ميليشيات، صواريخ، مسيرات، حرب سيبرانية، ودعاية سياسية وإعلامية. ولذلك فإن الحديث عن إيران يحتاج إلى الدقة: لسنا أمام «تنظيم إرهابي» بالمعنى الذي تنطبق به التسمية على القاعدة أو داعش، وإنما أمام دولة تستخدم شبكات مسلحة ووكلاء في إطار استراتيجية أوسع للحرب الهجينة.
وهذا بالضبط ما يجعل عالم ما بعد 11 شتنبر أكثر خطورة وأقل قابلية للتصنيف.
لكن، بالنسبة إلينا في المغرب وشمال إفريقيا، هناك طبقة أخرى من الخطر لا يجوز أن تضيع وسط الحديث عن الصواريخ والمسيرات.
إنه العنف السياسي الذي يبدأ قبل السلاح.
فنحن لا نبدأ تاريخنا مع 11 شتنبر. لدينا تاريخ مغربي مع العنف السياسي ذي التوظيف الديني، من اغتيال عمر بنجلون سنة 1975، إلى العنف الذي عرفته الجامعة المغربية، ومنه قضية آيت الجيد التي ظلت موضوعاً لنزاع سياسي وقضائي شديد الحساسية، وصولاً إلى 16 ماي 2003، حين ضرب الإرهاب الانتحاري الدار البيضاء، مخلفاً عشرات القتلى وأكثر من مائة جريح.
ومن الخطأ أن نتصور أن المشكلة تنتهي عندما تفكك الأجهزة الأمنية خلية إرهابية.
فالخلية هي غالباً نهاية الطريق، وليست بدايته.
البداية قد تكون خطاباً يقول إن هذا «كافر»، أو أن تلك المرأة «فاسدة»، أو أن المثقف «عدو للدين»، أو أن الفنان «يحارب القيم»، أو أن الأمازيغي الذي يدافع عن لغته وهويته يهدد الوحدة، أو أن الحقوقي الذي يطالب بالمساواة يخدم أجندة أجنبية. ثم يأتي التخوين، فالشيطنة، فنزع الشرعية، وبعدها يصبح الاعتداء على الآخر أسهل تبريراً.
خطاب الكراهية ليس إرهاباً بالضرورة، لكنه قد يكون البيئة التي تجعل العنف ممكناً.
وهنا تكمن مسؤوليتنا السياسية والفكرية اليوم.
فما نشهده مع بداية الحملة الانتخابية المغربية من تصاعد في بعض الخطابات المعادية للنساء، ومن استهداف سياسي ورقمي لنساء مرشحات، ليس مجرد تفصيل انتخابي. فقد سجل المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي أشكالاً من السب والتشهير والمس بالحياة الخاصة والكرامة واستهداف عدد من النساء المرشحات. كما صدرت تحذيرات مدنية من توظيف الدين والتشكيك المسبق في الانتخابات أو التلويح بالفوضى عند عدم تحقيق النتائج المرغوبة.
وهنا تحديداً يجب أن نكون واضحين.
الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط.
من يقبل بنتائج الانتخابات عندما يفوز، ويرفضها عندما يخسر، لا يدافع عن الديمقراطية؛ إنه يتعامل معها كوسيلة للوصول إلى السلطة. ومن يستعمل الدين لإضفاء القداسة على اختياره السياسي، أو لتحويل المنافس السياسي إلى خصم أخلاقي أو ديني، يهدد جوهر التعددية.
ولهذا فإنني أرى أن بعض الخطابات الصادرة عن زعيم حزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، خصوصاً حين تتضمن مهاجمة الخصوم السياسيين أو استهداف النساء أو التشكيك في المسار الانتخابي، تستحق أن تُناقش سياسياً وأخلاقياً، لا أن تمر باعتبارها مجرد «لغة انتخابية». وقد وثقت وسائل إعلام حديثة تصريحات له بشأن شخصيات سياسية ومستشارين للملك، كما سجلت تقارير أخرى انتقادات لخطابات تمس بصورة النساء.
لكنني أرفض في الوقت نفسه الخلط بين الإسلام والإسلاموية، وبين الإسلاموية والإرهاب. فالمسلمون ليسوا خصماً، والدين ليس جريمة، والمشاركة السياسية ذات المرجعية الدينية رغم علتها و توافقها مع  المنطق الديموقراطي و الحقوقي الذي تستند له المعايير الدولية لديموقراطية الانتخابات و حقوق الانسان،  ليست في حد ذاتها إرهاباً. الخط الأحمر هو العنف، والتحريض عليه، والتكفير، ونزع إنسانية الآخر، ورفض التعددية، وتحويل الديمقراطية إلى مجرد سلّم للوصول إلى السلطة.
والأمر نفسه ينطبق على فلسطين.
فلسطين قضية عادلة، والتضامن مع الشعب الفلسطيني حق وموقف إنساني وسياسي مشروع. لكن لا أحد يملك حق احتكار فلسطين.
لا يجوز أن تتحول القضية الفلسطينية إلى أداة لتخوين الديمقراطيين، أو مهاجمة الحركة النسائية، أو إسكات المثقفين والفنانين، أو تقسيم المغاربة إلى «وطنيين» و«خونة». كما لا يجوز، في الاتجاه المعاكس، استعمال مكافحة الإسلاموية ذريعة لتجريم التضامن مع فلسطين.
إن الدرس الأكبر من 11 شتنبر ليس أن نوسع دائرة الخوف، وإنما أن نفهم كيف يبدأ العنف وكيف يتطور.
الإرهاب يبدأ أحياناً من القنبلة، لكنه قد يبدأ قبل ذلك بكثير:
من الكلمة التي تكره، ومن الخطاب الذي يكفّر، ومن السياسة التي تنزع الشرعية عن الآخر.
ولذلك، فإن معركتنا في المغرب ليست أمنية فقط. إنها معركة من أجل الديمقراطية، والمساواة، وحرية الفكر، وحقوق النساء، وحرية الفن والثقافة، والتعددية، وحق الاختلاف.
بعد ربع قرن من 11 شتنبر، علينا أن نرفض الإرهاب حين يحمل صاحبه السلاح، وأن نرفض أيضاً تطبيع الكراهية حين تحملها الكلمة.
الدفاع عن الديمقراطية في مواجهة الإسلاموية لا يعني معاداة الإسلام.
والدفاع عن فلسطين لا يعني تأييد الإسلاموية.
ومكافحة الإرهاب لا تعني التضييق على الحريات.
تلك، في تقديري، هي المعادلة التي يحتاجها المغرب اليوم أكثر من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى