الرئيسيةمقالات الرأي

المحلل المالي علي العلوي يتساءل: هل تستطيع المالية العمومية تحمّل الوعود الانتخابية؟

علي العلوي : محلل مالي

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يعود النقاش حول الوعود التي تقدمها الأحزاب للمواطنين: الزيادة في الأجور، تحسين القدرة الشرائية، خلق مناصب الشغل، دعم الأسر، تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتقوية الحماية الاجتماعية.

وبصفتي خبيراً مالياً، ومن خلال تعاملي المهني اليومي مع المقاولات واطلاعي على واقعها المالي والمحاسبي والجبائي، أعتقد أن من واجبنا أن نناقش هذه الوعود بهدوء وموضوعية، بعيداً عن منطق التأييد أو المعارضة المسبقة.

وللتذكير فقط، فقد عرفت الانتخابات السابقة وعوداً وأهدافاً مهمة ومتنوعة، من بينها الحديث عن خلق مليون منصب شغل، وتخصيص دخل شهري لفائدة بعض فئات المسنين، وتعميم الحماية الاجتماعية. كما طُرحت في برامج أخرى أهداف تتعلق بإخراج أعداد مهمة من الأسر من الفقر والهشاشة، وتحسين القدرة الشرائية، وخفض البطالة، وتحقيق معدلات نمو أعلى.

واليوم، نسمع كذلك مقترحات من قبيل رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5.000 درهم صافي.

كل هذه الأفكار يمكن أن تكون مشروعة من الناحية الاجتماعية، بل إن تحسين دخل المواطن أصبح ضرورة حقيقية. لكن السؤال الذي يهمني، كمهني، ليس فقط: ماذا سنعطي للمواطن؟ بل أيضاً: كيف سنمول ذلك؟ وكيف سنضمن استمراره؟ وما أثره على الاقتصاد والمقاولة والأسعار والتشغيل؟

رفع السميگ… بين تحسين الدخل وقدرة المقاولة

خذوا مثلاً رفع السميگ.

الأجير الذي يواجه ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والنقل والصحة والتعليم، من حقه أن يطالب بأجر يحفظ كرامته ويضمن له مستوى معيشياً أفضل.

لكن المقاولة بدورها ليست مجرد رقم في ورقة.

من خلال الواقع الذي نعاينه مع الشركات، هناك مقاولات تتحمل الأجور والاشتراكات الاجتماعية والضرائب والضريبة على القيمة المضافة، إلى جانب تكاليف التمويل والكراء والطاقة والموردين، فضلاً عن مختلف الالتزامات المحاسبية والجبائية والإدارية.

كما أن عدداً من المقاولات أصبح مطالباً بدرجة أكبر من التنظيم والتوثيق والشفافية والامتثال، في ظل تطور المنظومة الجبائية وآليات المراقبة والمراجعة وتبادل المعطيات.

وهنا تظهر المعادلة الحقيقية:

إذا أردنا أن نرفع دخل الأجير، فعلينا في الوقت نفسه أن نضمن قدرة المقاولة على أداء هذا الدخل والاستمرار في الاستثمار والتشغيل.

لأن الزيادة في الأجر، إذا لم تقابلها زيادة في الإنتاجية والنمو والقيمة المضافة، قد تتحول بالنسبة إلى بعض المقاولات إلى ارتفاع في تكلفة الإنتاج.

وإذا نقلت المقاولة هذه التكلفة إلى الأسعار، فقد نجد أنفسنا أمام مفارقة اقتصادية: رفعنا الأجر الاسمي للمواطن، لكن جزءاً من هذه الزيادة أكلته الأسعار.

الأجر ليس هو القدرة الشرائية

وهنا يجب التفريق بين الأجر والقدرة الشرائية.

قد يرتفع راتب شخص من 3.500 إلى 5.000 درهم، لكن إذا ارتفعت بالتوازي تكلفة السكن والغذاء والنقل والخدمات، فإن التحسن الحقيقي في مستوى معيشته قد يكون أقل بكثير مما يوحي به الرقم.

لذلك، فإن السياسة الاجتماعية الناجحة لا تقتصر على زيادة الأجور، وإنما تحتاج أيضاً إلى اقتصاد ينتج الثروة، ومنافسة حقيقية، واستقرار نسبي للأسعار، وخلق فرص الشغل، وتحسين الإنتاجية، وتوسيع الطبقة الوسطى.

وفي المقابل، لا يمكن أن نطالب المقاولة المغربية بكل شيء في الوقت نفسه: أن ترفع الأجور، وتوظف أكثر، وتستثمر، وتؤدي الضرائب والاشتراكات، وتحترم جميع الالتزامات القانونية، وتواجه المنافسة، ثم لا نناقش، بالموازاة مع ذلك، تكلفة كل هذه الالتزامات على قدرتها المالية.

المقاولة ليست خصماً للأجير، والأجير ليس عبئاً على المقاولة.

هما طرفان في الدورة الاقتصادية نفسها، وأي سياسة تضرب أحدهما ستصل آثارها، عاجلاً أم آجلاً، إلى الآخر.

الوعود الانتخابية تحتاج إلى أرقام

لهذا، أرى أن أي وعد انتخابي اقتصادي أو اجتماعي يجب أن يكون مصحوباً بأربعة أسئلة بسيطة:

كم سيكلف؟

من سيموله؟

ما الجدول الزمني لتطبيقه؟

وما أثره على المواطن والمقاولة والتشغيل والأسعار والمالية العمومية؟

لا يكفي أن نقول: سنرفع الأجور.

ولا يكفي أن نقول: سنخلق مئات الآلاف أو مليون منصب شغل.

ولا يكفي أن نعد بتحسين القدرة الشرائية.

المواطن اليوم من حقه أن يطلب من كل حزب، كيفما كان توجهه، الأرقام، وآليات التمويل، ومراحل التنفيذ، ومؤشرات قياس النتائج.

فالبرنامج الانتخابي الجاد لا ينبغي أن يكون مجرد قائمة من الأهداف الجميلة، بل خريطة طريق واضحة تحدد الأولويات، والكلفة، ومصادر التمويل، وآجال التنفيذ، والنتائج المنتظرة.

لا أغلبية ولا معارضة… بل قراءة مهنية

وأؤكد هنا أنني لا أمارس أي عمل سياسي، ولا أنتمي في هذا الرأي إلى منطق الأغلبية أو المعارضة، ولا أكتب دفاعاً عن حزب أو هجوماً على آخر.

أكتب بصفتي مواطناً مغربياً يحب وطنه وملكه، وبصفتي مهنياً يتعامل مع الواقع المالي للمقاولات، ويرى يومياً الصعوبات والالتزامات التي تواجهها، كما يدرك في الوقت نفسه حجم الضغط الذي تعيشه الأسر المغربية على مستوى قدرتها الشرائية.

ومن هذا المنطلق، فإن مناقشة الوعود الانتخابية لا ينبغي أن تتحول إلى مزايدة سياسية أو إلى رفض مسبق لكل مقترح اجتماعي.

بل المطلوب هو أن نسأل بهدوء: هل يمكن تنفيذ هذا الوعد؟ وما تكلفته؟ وما آثاره الجانبية؟ وكيف يمكن تمويله؟

نريد أجيراً يعيش بكرامة ومقاولة قادرة على الاستثمار

أعتبر أن قوة المغرب لا تكون في كثرة الوعود، وإنما في قدرتنا جميعاً على تحويل الطموحات الاجتماعية إلى سياسات قابلة للتمويل والتنفيذ والاستمرار.

نريد أجيراً يعيش بكرامة.

ونريد مقاولة قوية قادرة على الاستثمار والتشغيل.

ونريد دولة تتوفر على موارد كافية لتمويل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والبنيات التحتية.

هذه الأهداف ليست متناقضة، ولكنها تحتاج إلى التوازن والحكامة وحسن الاختيار.

فالاقتصاد ليس عملية حسابية بسيطة، والمال العام ليس مورداً بلا حدود، والمقاولة ليست خزينة مفتوحة، كما أن المواطن لا يمكن أن يتحمل إلى ما لا نهاية ارتفاع الأسعار وتراجع قدرته الشرائية.

لذلك، فإن تحقيق العدالة الاجتماعية يمر أيضاً عبر بناء اقتصاد قوي ومنتج وقادر على خلق الثروة وفرص الشغل.

الانتخابات تنتهي في يوم… والقرارات الاقتصادية تبقى لسنوات

الانتخابات تنتهي في يوم، أما القرارات الاقتصادية فآثارها قد تستمر لسنوات.

ولهذا، بالنسبة إليّ، فإن السؤال الحقيقي أمام أي وعد انتخابي ليس:

هل يبدو جميلاً؟

بل:

هل هو قابل للتطبيق؟ كيف سيمول؟ متى سينفذ؟ وما أثره الحقيقي بعد خمس سنوات على جيب المواطن، وعلى تنافسية المقاولة، وعلى التشغيل، وعلى اقتصاد بلادنا؟

المغرب يحتاج إلى الطموح، نعم…

لكننا نحتاج أكثر إلى طموح محسوب، ممول، قابل للتنفيذ، وقابل للاستمرار.

لأن أفضل برنامج انتخابي ليس بالضرورة البرنامج الذي يقدم أكبر عدد من الوعود، وإنما البرنامج الذي يستطيع أن يحول الطموح الاجتماعي إلى نتائج حقيقية ومستدامة.

وفي النهاية، لا نريد الاختيار بين المواطن والمقاولة.

نريد مواطناً أقوى، ومقاولة أقوى، واقتصاداً أقوى، ودولة قادرة على تمويل طموحاتها الاجتماعية دون أن ترهن مستقبل الأجيال المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى