تسريب تسجيل الطالبي العلمي.. زلة داخلية أم مناورة انتخابية محسوبة؟

البلد.ma
لم يعد التسجيل الصوتي المنسوب إلى راشد الطالبي العلمي، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، مجرد مادة متداولة على منصات التواصل، بعدما انتقل من نطاق النقاش الداخلي إلى واجهة النقاش السياسي، وفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز مضمون التسجيل نفسه: من سرّبه؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ ومن المستفيد سياسياً من خروجه إلى العلن؟
المفارقة أن قيادة الأحرار سارعت إلى التأكيد على أن ما جرى يمثل إخراجاً لنقاش داخلي عن سياقه، مع تلويح باللجوء إلى القضاء ضد من يثبت تورطه في التسريب والتحوير والنشر.
لكن، في المقابل، فإن انتشار التسجيل، بما يحمله من انتقادات ومواقف حادة، وضع الحزب أمام نقاش سياسي لم يكن بالضرورة يرغب في فتحه بهذه الطريقة.
والأكثر إثارة أن مضمون التسجيل لا يتوقف عند انتقاد تدبير حزبي أو انتخابي عابر، بل يتضمن مواقف مرتبطة بشخصيات وملفات تحظى بحساسية داخل المشهد السياسي، وهو ما جعل التسريب يتحول سريعاً إلى مادة للتأويل السياسي.
هل خرج التسجيل من «الداخل» أم أُخرج منه؟
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس اتهاماً لأحد، لعدم وجود معطيات تثبت الجهة التي قامت بالتسجيل أو التسريب، وإنما قراءة سياسية لما حدث: هل نحن أمام تسريب غير متحكم فيه، أم أن جزءاً من النقاش الداخلي خرج إلى العلن في سياق يخدم حسابات سياسية معينة؟
فالانتخابات المقبلة تقترب، ومعها ترتفع قيمة كل كلمة وكل موقف وكل خلاف داخل الأحزاب.
وما كان يمكن أن يبقى نقاشاً مغلقاً بين قيادات حزب قد يتحول، بمجرد تسريبه، إلى ورقة في الصراع الانتخابي.
ومن هذه الزاوية، قد يكون من الخطأ التعامل مع التسجيل باعتباره مجرد «فضيحة تسريب». فقد يكون الأهم هو السياق السياسي الذي ظهر فيه، والتوقيت الذي خرج فيه، والطريقة التي أعيد بها تقديمه للرأي العام.
الطالبي العلمي ولقجع.. هل بدأ زمن كشف المستور؟
اللافت في القضية أن التسجيل أعاد إلى الواجهة علاقة التوازنات ، خصوصاً في ظل حضور أسماء وازنة داخله وخارجه.
وإذا كان الطالبي العلمي قد عبّر، في النقاش المنسوب إليه، عن انتقادات ومواقف بشأن عدد من القضايا والشخصيات، فإن وصول هذه المواقف إلى الرأي العام يمنحها وظيفة سياسية جديدة.
هنا تحديداً يبرز اسم فوزي لقجع، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى شخصية ذات حضور قوي داخل المشهد السياسي والمؤسساتي، ما يجعل أي انتقاد علني له قابلاً لأن يُقرأ بأكثر من طريقة.
هل الأمر مجرد تعبير عن مواقف ووجهات النظر داخل حزب يعيش نقاشاً طبيعياً؟ أم أن التسريب، بصرف النظر عن مصدره، يمكن أن يشكل بداية لمرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب المواقع ورفع سقف الرسائل السياسية قبل الانتخابات؟
لا توجد معطيات كافية للجزم بذلك، لكن المؤكد أن التسجيل فتح الباب أمام هذه القراءة.
هجوم انتخابي أم اختبار للخصوم؟
في السياسة، لا يكون التوقيت دائماً تفصيلاً ثانوياً.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، قد تتحول الخلافات إلى رسائل موجهة إلى أكثر من طرف: إلى الخصوم، وإلى القواعد الحزبية، وإلى المنتخبين، وحتى إلى الرأي العام.
ومن هنا يمكن طرح فرضية أخرى: هل بدأت بعض الأحزاب في اعتماد استراتيجية انتخابية تقوم على الهجوم الاستباقي، وإخراج ما كان يتم تداوله داخل الكواليس إلى دائرة النقاش العمومي؟
إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فإن تسجيل الطالبي العلمي قد لا يكون سوى واحدة من حلقات مرحلة انتخابية أكثر صدامية، حيث لن تقتصر المنافسة على البرامج والوعود، بل ستشمل أيضاً كشف التناقضات والخلافات والصراعات التي ظلت طويلاً بعيدة عن الأضواء.
لكن هذا النوع من التكتيكات يبقى محفوفاً بالمخاطر؛ لأن كشف المستور قد يضعف الخصم، لكنه قد يكشف في الوقت نفسه هشاشة داخلية لدى الحزب الذي ينتمي إليه صاحب الموقف.
الأحرار أمام معادلة صعبة
قيادة التجمع الوطني للأحرار تجد نفسها اليوم أمام معادلة دقيقة: الدفاع عن حرمة اجتماعاتها الداخلية وحق أعضائها في التعبير بحرية، وفي الوقت نفسه التعامل مع مضمون نقاش أصبح متداولاً على نطاق واسع.
ولذلك جاء موقف محمد شوكي مركزاً على التسريب والتحوير وإخراج الكلام من سياقه، أكثر من دخوله في سجال علني حول مضمون المواقف الواردة في التسجيل.
وقد يكون هذا الخيار مفهوماً من الناحية المؤسساتية؛ لأن الاعتراف بأن النقاش الداخلي يمكن أن يتحول إلى مادة سياسية منشورة قد يضعف قدرة أي حزب على إدارة خلافاته بعيداً عن ضغط الرأي العام.
لكن سياسياً، تبقى الأسئلة معلقة: هل كان ما قيل مجرد نقاش داخلي وانتهى؟ أم أن خروجه إلى العلن سيجعل منه عنواناً لصراع أوسع داخل البيت السياسي للأحرار؟
عندما تبدأ الانتخابات قبل صناديق الاقتراع
الأهم في قضية التسجيل أنها تعكس تحولاً أوسع في طبيعة المعركة الانتخابية المقبلة. فالانتخابات لا تبدأ بالضرورة يوم انطلاق الحملة، بل قد تبدأ قبل ذلك بكثير، عبر بناء الصور السياسية، وتحديد الخصوم، واختبار ردود الفعل، وتبادل الرسائل، وتسليط الضوء على نقاط الضعف.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة ما حدث باعتباره اختباراً مبكراً لمدى قدرة الأحزاب على ضبط خطابها الداخلي، وإدارة خلافاتها، والتعامل مع التسريبات، والأهم: تحويل الأزمات إلى أوراق انتخابية أو احتوائها قبل أن تتحول إلى عبء.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه قضية تسجيل الطالبي العلمي ليس فقط: من سرّب التسجيل؟
بل ربما السؤال الأكثر إثارة هو:
هل كان التسريب بداية غير مقصودة لمعركة انتخابية جديدة، أم أن معركة 2026 بدأت فعلاً من داخل الكواليس، وأن ما وصل إلى الجمهور ليس سوى أول فصل من سياسة «الهجوم وكشف المستور»؟
الجواب ستكشفه الأيام المقبلة، وربما تكشف معه تسجيلات ومواقف أخرى ما إذا كان الأمر مجرد حادثة معزولة، أم مؤشراً على دخول المشهد السياسي المغربي مرحلة انتخابية أكثر صراحة وصداماً.



