بين وهم التغيير وحقيقة البقاء
كتب : عبد الحق منافع
نمر جميعًا بلحظات تدفعنا إلى إعادة النظر في كثير من قناعاتنا ومواقفنا. وربما يكون أصعب ما في الحياة هو التمسك بالمواقف إلى درجة تحويلها إلى عقائد جامدة لا تقبل المراجعة أو النقد.
إذا تأملنا حركة التاريخ، سواء في مراحله البعيدة أو القريبة، سنجد أن معظم الحركات والثورات، سواء تلك التي اتسمت بأشد درجات العنف الدموي أو التي شهدت تحولات أكثر سلاسة، لم تحقق الوعود الكبرى التي رفعتها.
فالزمن لم يرحمها، وما بذلته من جهود وتضحيات لم يغيّر، في كثير من الأحيان، جوهر الواقع الإنساني كما كان مأمولًا.
لقد رفعت البشرية شعارات كبرى مثل الاشتراكية والشيوعية وغيرها من المشاريع الفكرية والسياسية التي بشّرت بمجتمعات أكثر عدالة ومساواة. غير أن كثيرًا من تلك المشاريع انتهى إلى الفشل أو التحول، ولم يبقَ منها سوى أثر محدود في بعض الجوانب.
وفي المقابل، اتجه العالم إلى إشباع حاجات استهلاكية متزايدة، فأصبحت مظاهر الرفاه المادي، من ملابس وسيارات وتقنيات حديثة، معيارًا للتقدم، بينما ظل الإشباع الحقوقي، وصون كرامة الإنسان، وتحقيق العدالة الاجتماعية أهدافًا لم تبلغها الإنسانية بالقدر الكافي.
واليوم، يبدو أن الدول الأكثر يقظة ليست تلك التي تعد بصناعة “جنة” على الأرض، بل تلك التي تمتلك القدرة على حماية مجتمعاتها، وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار، وضمان إمكانيات البقاء بعيدًا عن ويلات الحروب والأزمات والكوارث.
إن الاعتقاد بإمكانية تحويل المجتمعات الإنسانية إلى فضاءات مثالية خالية من الصراعات هو تصور أقرب إلى اليوتوبيا منه إلى الواقع.
أما التحدي الحقيقي، فهو بناء مجتمعات أكثر قدرة على حماية الإنسان، وصون حقوقه، وتخفيف معاناته، مع الإقرار بأن الكمال ليس من طبيعة التاريخ ولا من طبيعة البشر.



