«رَمانَنس».. حسناء الوركة تكشف الأثر الخفي للذاكرة في المادة

تفتتح الفنانة التشكيلية المغربية حسناء الوركة معرضها الجديد «رَمانَنس» (Rémanence) بفضاء أرتوريوم – مؤسسة TGCC بالدار البيضاء،ابتداء من 25 يونيو 2026 في تجربة فنية تستكشف العلاقة بين الذاكرة والمادة والزمن، وتدعو المتلقي إلى الغوص في عوالم تتجاوز حدود الرؤية المباشرة نحو فضاءات أكثر تأملاً وعمقًا.
ويحيل عنوان المعرض إلى مفهوم «البقائية» أو «الأثر الممتد»، وهو ذلك الأثر الذي يستمر في الوعي حتى بعد غياب مصدره، كما يشير علميًا إلى قدرة المادة على الاحتفاظ بأثر المغنطة بعد زوال المجال المغناطيسي الخارجي. ومن هذه الفكرة تنطلق الفنانة لبناء مشروعها البصري، حيث تبدو الأعمال وكأنها تحتفظ بذكريات خفية وآثار زمنية كامنة داخل المادة نفسها.
وأمام لوحات حسناء الوركة، يجد المشاهد نفسه أمام إحساس مألوف يصعب تحديد مصدره؛ صورة تبدو وكأنها مرت من الذاكرة، أو عاطفة غامضة سبق اختبارها في زمن ما. إنها أعمال تثير شعورًا بالالتباس الجميل بين الحلم والواقع، وبين ما هو كوني وما هو أرضي، تاركة المجال مفتوحًا أمام التأويل والتجربة الشخصية لكل متلقٍ.

وتقوم تجربة الفنانة على حوار مستمر بين العالمين الكبير والصغير، حيث تتلاشى الفوارق بين المقاييس والأحجام، وتصبح المادة حاملة لآثار الزمن وتحولاته. فلا تقدم الأعمال أشكالًا تشخيصية واضحة، بقدر ما تكشف عن طبقات من الذاكرة المترسبة في السطوح والألوان والملامس، وكأن الزمن نفسه ترك بصماته الصامتة عليها.
وعلى امتداد السنوات الخمس الماضية، اتخذت حسناء الوركة من الإقامة الفنية «جاردان روج» التابعة لمؤسسة «مونتريسو» فضاءً للبحث والتجريب. وهناك انشغلت باستكشاف ما تختزنه الحجارة والعناصر الطبيعية من قصص وأسرار، في مقاربة تجمع بين الحس الفني والتأمل الفلسفي. وبينما يسعى العلماء إلى فهم العالم عبر التحليل والقياس، تفتح الفنانة بابًا آخر للمعرفة قائمًا على الإحساس والحدس والإنصات إلى ما تخفيه المادة من آثار غير مرئية.

ويؤكد معرض «رَمانَنس» أن المادة ليست مجرد عنصر جامد، بل كيان يحتفظ بذاكرته الخاصة، ويحمل في أعماقه حكايات وأزمنة وطاقات متراكمة. ومن خلال هذا المشروع، تطرح الفنانة تساؤلات حول حدود المعرفة المادية، وحول ما يمكن للروحاني والحدسي أن يضيفاه إلى فهم الإنسان لعلاقته بالعالم.
بهذه الرؤية، تقدم حسناء الوركة معرضًا يزاوج بين البحث التشكيلي والتأمل الوجودي، ويمنح الجمهور فرصة لاكتشاف عالم بصري يحتفي بالأثر الخفي للأشياء، وبالذاكرة التي تظل حاضرة حتى بعد غياب مصادرها.



