من يُصوّت فعلاً؟ الدولة تُعبّئ… والأحزاب تكتفي بقاعدتها الصلبة!

البلد.ma
تبدو الأحزاب السياسية في كثير من الأحيان مكتفية بما يمكن وصفه بـ“الكتلة الانتخابية الصلبة”، أي تلك القاعدة التقليدية من المنخرطين والمتعاطفين الذين يصوتون بشكل شبه ثابت
على مقربة من استحقاقات 2026، لا يبدو السؤال مرتبطًا فقط بـ“مشاركة تقنية” في الانتخابات، بل يتعلق بجوهر التوازن بين الدولة، والأحزاب، والمجتمع الناخب.
فمجهود وزارة الداخلية في تحفيز التسجيل والمشاركة، مقابل اعتماد الأحزاب على قواعدها الانتخابية التقليدية، يكشفان اختلالًا بنيويًا في دينامية الفعل السياسي.
من جهة أولى، تضطلع وزارة الداخلية بدور محوري في الإشراف الإداري على العملية الانتخابية، بما يشمل تحيين اللوائح، وتنظيم المراحل التقنية، وضمان الشفافية القانونية. غير أن هذا الدور يتجاوز الجانب الإجرائي أحيانًا نحو محاولة توسيع قاعدة الناخبين، خصوصًا من خلال دعوات التسجيل، وتحسيس المواطنين بأهمية القيد في اللوائح.
ويُفهم هذا السعي في سياق الحاجة إلى رفع نسب المشاركة، التي غالبًا ما تُسجل مستويات متوسطة أو ضعيفة، بما يؤثر على شرعية التمثيل السياسي.
هذا “الجهد الإداري” يعكس أيضًا إشكالًا أعمق، يتمثل في محدودية انخراط جزء من المواطنين في الفعل السياسي، سواء بسبب فقدان الثقة في الأحزاب أو ضعف الإحساس بأثر الصوت الانتخابي في التغيير.
لذلك تصبح الدولة، عبر وزارتها الوصية، طرفًا فاعلًا في تعبئة الناخبين، رغم أن الأصل أن تضطلع الأحزاب بهذا الدور.
في المقابل، تبدو الأحزاب السياسية في كثير من الأحيان مكتفية بما يمكن وصفه بـ“الكتلة الانتخابية الصلبة”، أي تلك القاعدة التقليدية من المنخرطين والمتعاطفين الذين يصوتون بشكل شبه ثابت.
هذا النمط من الاشتغال يعكس ما يسميه بعض الباحثين بـ“تسيير الحد الأدنى من التعبئة”، حيث تفضل الأحزاب الاستثمار في قواعدها المضمونة بدل توسيع قاعدة الناخبين أو استقطاب فئات جديدة، وهو ما يتطلب مجهودًا تنظيميًا وإقناعيًا أكبر.
هذا الوضع يؤدي إلى مفارقة واضحة: الدولة تدفع نحو توسيع المشاركة، بينما الأحزاب تميل إلى الاكتفاء بما هو متوفر من دعم انتخابي ثابت.
والنتيجة هي استمرار فجوة بين العرض السياسي والطلب المجتمعي، وضعف في تجديد النخب الحزبية، وتراجع في مستوى الثقة السياسية لدى المواطنين.
كما أن هذا التباين يعكس تحولًا في طبيعة التمثيل السياسي نفسه، حيث لم تعد الانتخابات فضاءً لتوسيع المشاركة الشعبية بالضرورة، بقدر ما أصبحت آلية لإعادة إنتاج موازين قائمة مسبقًا. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول مدى قدرة النظام الحزبي على استعادة وظيفته الوسيطة بين الدولة والمجتمع.
في المحصلة، يمكن القول إن الإشكال ليس في “جهاد” وزارة الداخلية لتوسيع المشاركة، ولا في اعتماد الأحزاب على قواعدها، بل في غياب دينامية سياسية قادرة على تحويل الانتخابات إلى لحظة تعبئة مجتمعية واسعة، بدل بقائها في حدود التنافس بين قواعد جاهزة مسبقًا.



