المندوبية السامية للتخطيط تدق ناقوس الخطر: ارتفاع البطالة وتراجع التشغيل وتفاقم الهشاشة الاجتماعية

خديجة الكور
باحثة في علم الاجتماع
لم تعد أزمة التشغيل في المغرب مجرد مؤشر اقتصادي يدرج ضمن التقارير الدورية، بل أضحت قضية اجتماعية وسياسية بامتياز، ترتبط بأمن الأسر واستقرارها، وبقدرة المواطنين، وخاصة الشباب والنساء، على بناء مستقبلهم وتحقيق تطلعاتهم في الارتقاء الاجتماعي. فالمعطيات التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط بشأن وضعية سوق الشغل خلال الفصل الثالث من سنة 2026 لا تعكس فقط اختلالات ظرفية، بل تطرح أسئلة جوهرية حول قدرة النموذج الاقتصادي على إنتاج فرص شغل كافية ومستدامة، وحول مدى نجاعة السياسات العمومية في تحويل النمو والاستثمار إلى فرص حقيقية لتحسين أوضاع المواطنين.
وتكشف هذه المعطيات عن واقع مقلق؛ إذ بلغ معدل البطالة 10.5% وطنياً، وارتفع إلى 30.5% لدى الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة، فيما بلغ 16.7% في صفوف النساء. كما وصل معدل النقص الإجمالي في استخدام اليد العاملة إلى 19.6% وطنياً، و44.5% لدى الشباب، و28.5% لدى النساء. وهي مؤشرات تكشف أن الأزمة لا تقتصر على غياب فرص العمل، بل تمتد إلى هشاشة التشغيل وضعف جودته، وعدم قدرة جزء واسع من العاملين على الاستفادة من عمل يضمن دخلاً مستقراً وظروفاً مهنية لائقة.
وتزداد دلالة هذه الأرقام مع تسجيل تراجع صافٍ في حجم التشغيل بلغ 173 ألف منصب مقارنة بالفصل السابق. فقد قطاع الفلاحة والغابات والصيد 145 ألف منصب، والخدمات 96 ألفاً، والبناء والأشغال العمومية ثلاثة آلاف، مقابل إحداث 69 ألف منصب في القطاع الصناعي. وتكشف هذه التحولات هشاشة قطاعات أساسية في الاقتصاد الوطني، ومدى تأثرها بالتقلبات المناخية والظرفية، كما تطرح سؤال قدرة النسيج الإنتاجي على خلق فرص شغل تعوض المناصب المفقودة وتستوعب الوافدين الجدد إلى سوق العمل.
ولا تنفصل هذه الاختلالات عن الفوارق المجالية؛ إذ تركز الجزء الأكبر من تراجع التشغيل في العالم القروي، الذي فقد 148 ألف منصب، مقابل 25 ألفاً في الوسط الحضري. ويؤكد ذلك استمرار هشاشة الاقتصاد القروي وارتباطه المفرط بالنشاط الفلاحي والتساقطات المطرية، في ظل محدودية تنويع مصادر الدخل والأنشطة الاقتصادية. كما تكشف الفوارق بين الجهات أن أزمة التشغيل ليست متجانسة، وأن معالجتها تقتضي سياسات ترابية تراعي الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل مجال.
وتظل وضعية النساء من أبرز مظاهر الاختلال البنيوي في سوق الشغل. فمعدل مشاركتهن لا يتجاوز 18.1%، مقابل 65.6% لدى الرجال، بينما تبلغ البطالة في صفوفهن 16.7%. ولا يمكن تفسير هذا التفاوت بعوامل التكوين أو الاختيارات الفردية وحدها، بل ينبغي ربطه بعوائق بنيوية، من قبيل ضعف خدمات رعاية الأطفال، وثقل العمل المنزلي غير المؤدى عنه، وصعوبات التنقل، والتمييز المهني، وانتشار أشكال التشغيل الهش.
إن إقصاء النساء من النشاط الاقتصادي لا يمثل فقط اختلالاً في تكافؤ الفرص، بل يشكل هدراً لجزء مهم من الرأسمال البشري الوطني، ويحد من إمكانات النمو وتحسين دخل الأسر. لذلك، فإن بلوغ هدف رفع معدل نشاط النساء إلى 45% في أفق 2035، كما نص عليه النموذج التنموي الجديد، يستدعي الانتقال من الأهداف المعلنة إلى سياسات فعلية، قوامها توسيع دور الحضانة، وتحسين النقل، وضمان المساواة في الأجور والفرص المهنية، ودعم المقاولات والتعاونيات النسائية وتمكينها اقتصادياً.
أما الشباب، فإن استمرار ارتفاع البطالة والنقص في استخدام اليد العاملة في صفوفهم يكشف عن فجوة عميقة بين منظومة التعليم والتكوين وحاجيات الاقتصاد. فالشهادة لم تعد ضمانة للاندماج المهني، كما أن ضعف الانتقال من التكوين إلى التشغيل يغذي الإحباط ويقوض الثقة في المؤسسات، ويؤخر الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي. ولا يمكن تجاوز هذا الوضع ببرامج ظرفية أو مبادرات متفرقة، بل عبر بناء مسارات متكاملة تربط التكوين بالتدريب والتشغيل الفعلي، وتستجيب للتحولات التي تعرفها المهن والقطاعات الإنتاجية.
إن خطورة أزمة التشغيل تتجاوز أبعادها الاقتصادية لتطال بنية الاستقرار الاجتماعي برمتها. فالبطالة والهشاشة المهنية تؤثران في القدرة الشرائية، وتحدان من الولوج إلى السكن والصحة والتعليم، وتضعفان فرص الارتقاء الاجتماعي. وحين يفقد العمل قدرته على ضمان الاستقلال والكرامة، يصبح انسداد الأفق مصدراً للإحباط والتوتر الاجتماعي. لذلك، فإن التشغيل ليس ملفاً قطاعياً معزولاً، بل هو أحد الاختبارات الحقيقية لمدى قدرة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية وترسيخ الثقة في المؤسسات.
وأمام هذا الوضع، لم يعد كافياً الاكتفاء بإطلاق البرامج والإعلان عن المبادرات، بل أصبح من الضروري بلورة سياسة وطنية مندمجة للتشغيل، تقوم على أهداف قابلة للقياس وآليات واضحة للمساءلة. ويقتضي ذلك وضع مخطط استعجالي يحدد حاجيات سوق الشغل حسب القطاعات والجهات والفئات، ويربط سياسات الاستثمار والتكوين والتشغيل ضمن رؤية موحدة، مع إحداث آلية للتنسيق بين القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص.
كما ينبغي تعزيز دور الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات في التوجيه والمواكبة والوساطة، وتطوير برامج التكوين بالتدرج والتناوب داخل المقاولات، وربط جزء من الدعم العمومي الموجه للمشغلين بالتزامهم بإدماج المستفيدين في مناصب شغل فعلية ومستقرة. ويتعين كذلك دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتسهيل حصولها على التمويل والصفقات العمومية، وتسريع أداء مستحقاتها، مع ربط التحفيزات العمومية بإحداث فرص شغل مصرح بها والحفاظ عليها.
أما على المستوى الترابي، فإن تراجع التشغيل في العالم القروي يفرض اعتماد برنامج خاص لتنويع الاقتصاد المحلي، يقوم على تثمين المنتجات الفلاحية، وتطوير الصناعات الغذائية والتحويلية، وتشجيع السياحة القروية والاقتصاد الأخضر، والاستثمار في البنيات التحتية والخدمات. فالحد من الهجرة الاقتصادية والهشاشة القروية يمر عبر خلق فرص شغل مستقرة خارج دائرة النشاط الفلاحي الموسمي، مع إشراك الجهات والجماعات الترابية في تحديد المشاريع ذات الأولوية.
ولا تقل أهمية عن ذلك ضرورة الارتقاء بجودة الشغل، من خلال تعزيز مراقبة تطبيق قانون الشغل، ومحاربة أشكال التشغيل غير المهيكل، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وضمان الأجور اللائقة والاستقرار المهني. كما ينبغي إرساء آلية مستقلة وشفافة لتقييم السياسات العمومية في مجال التشغيل، لا تكتفي بإحصاء المستفيدين من البرامج، بل تقيس عدد المناصب المحدثة فعلياً، ونوعية العقود والأجور، ومدى استمرارية العمل بعد انتهاء الدعم العمومي.
ومن الضروري، في قراءة هذه المؤشرات، استحضار أن المعطيات الجديدة تستند إلى منهجية محدثة في رصد سوق الشغل، الأمر الذي يقتضي الحذر في المقارنات الزمنية والتمييز بين التحولات الظرفية والاختلالات البنيوية. غير أن الاعتبار المنهجي لا يلغي دلالات الأرقام ولا يقلل من حجم التحديات التي تضعها أمام السياسات العمومية.
إن أزمة التشغيل تضع الحكومة أمام امتحان سياسي يتجاوز تدبير الأرقام وتقديم الحصائل، إلى إثبات القدرة على تحقيق نتائج ملموسة في حياة المواطنين. كما تضع القوى السياسية، أغلبية ومعارضة، أمام مسؤولية تقديم تصورات وبدائل واقعية. فالمعارضة لا ينبغي أن تكتفي برصد الاختلالات، بل مطالبة بالمساهمة في بلورة البدائل، فيما تتحمل الحكومة مسؤولية الاختيارات والنتائج والآثار الاجتماعية والاقتصادية لسياساتها.
في المحصلة، لا تقاس فعالية النموذج التنموي بحجم الاستثمارات المعلنة أو بعدد البرامج التي يتم إطلاقها، وإنما بقدرته على خلق فرص شغل لائق ومستدام، وضمان تكافؤ الفرص بين النساء والرجال، وبين الشباب وباقي الفئات، وبين مختلف المجالات الترابية. فالتشغيل ليس مجرد رقم في تقرير إحصائي، بل هو ركيزة الكرامة والاستقرار والاندماج الاجتماعي، ومقياس حقيقي لمدى قدرة السياسات العمومية على تحويل التنمية من وعود ومؤشرات إلى تحسن ملموس في حياة المغاربة.



