مقالات الرأي

بلاغ لتجميل اقتسام السلطة… وشعب ينتظر ما هو أبعد من الشعارات

محمد الغريب

حين تعجز السياسة عن تقديم مشروع، تستنجد باللغة؛ وحين يغيب البرنامج، تتكاثر الشعارات. وهذا ما يطرحه بيان تشكيل الأغلبية الحكومية من أسئلة محرجة: صفحات من الكلام عن الانسجام والإصلاح والعدالة الاجتماعية، مقابل غياب الالتزامات الواضحة التي تشرح للمغاربة ماذا سيتغير فعلًا في حياتهم. أربعة أحزاب تتحدث عن رؤية مشتركة، لكن البيان لا يكشف جوهر هذه الرؤية، ولا يوضح إن كان التوافق قد بُني على مشروع سياسي أم على حسابات الوصول إلى مواقع القرار.
إن اقتسام السلطة ليس في حد ذاته عيبًا ديمقراطيًا، لكن تحويله إلى غاية تتقدم على البرامج والمبادئ هو جوهر الأزمة السياسية. فحين تجتمع الأحزاب لتشكيل الحكومة، يفترض أن يكون السؤال الأول: ما المشروع الذي اتفقنا على تنفيذه؟ لا: كيف سنوزع المسؤوليات بيننا؟ ومن الطبيعي أن تتفاوض الأحزاب بشأن الحقائب والمناصب، لكن غير الطبيعي أن يُطلب من المواطنين اعتبار هذا التفاوض إنجازًا سياسيًا قبل أن يعرفوا ثمنه الاجتماعي، ومضمونه الإصلاحي، وحدود التزامات كل طرف فيه.
البيان يتحدث عن التقارب الفكري والسياسي بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، لكنه لا يقدم ما يثبت أن هذا التقارب يتجاوز لغة البلاغات. أين تتوحد هذه الأحزاب بشأن الخيارات الاقتصادية والاجتماعية؟ وكيف ستُحسم الخلافات المحتملة بينها؟ وما الضمانات التي تحول دون أن يصبح الانسجام المعلن مجرد تفاهم بين القيادات، بينما تتراجع البرامج والمرجعيات إلى المرتبة الثانية؟
الأكثر إشكالًا أن المواطن يغيب عن تفاصيل الصفقة السياسية، ثم يُستدعى في الخطاب الرسمي باعتباره غايتها ومرجعيتها. تُذكر انتظاراته، وتُستحضر معاناته، ويُرفع شعار العدالة الاجتماعية، لكن دون تحديد التزامات قابلة للقياس بشأن التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم ومحاربة الفوارق. وكأن المطلوب من المغاربة أن يثقوا في نوايا الأغلبية، لا أن يحاسبوها على تعهدات واضحة.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب التي طالما استندت إلى مرجعيات اجتماعية وإصلاحية، خصوصًا الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. فالمشاركة الحكومية لا تُقاس بعدد الحقائب ولا بالقرب من مركز القرار، بل بمدى القدرة على التأثير في السياسات العمومية. وإذا كانت هذه المشاركة لا تترك أثرًا ملموسًا في حياة الفئات الشعبية، فما الذي يميزها عن مجرد انخراط في تدبير التوازنات الحكومية؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الحكومة إلى مساحة لتقاسم المسؤوليات دون وضوح مماثل في تقاسم المحاسبة؛ فتُنسب النجاحات إلى الجميع، وتُعلَّق الإخفاقات على تعقيدات الظرفية أو اختلاف الشركاء. لذلك، فإن الحديث عن أغلبية قوية يظل ناقصًا ما لم يقترن ببرنامج معلن، وأهداف محددة، وآجال للتنفيذ، ومسؤولية سياسية واضحة عن النتائج.
المشكلة ليست في اقتسام السلطة، بل في اقتسامها من دون أن يعرف المواطنون على أي أساس جرى ذلك، ولأي مشروع، وبأي التزامات. فالأحزاب لا تدخل الحكومة لتكافئ نفسها على نتائج الانتخابات، ولا لتثبت قدرتها على التفاوض، بل لتحوّل التمثيل السياسي إلى قرارات تخدم الصالح العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى