مقال تحليلي : الحكامة الانتخابية بالمغرب على محك المعايير الدولية

مولاي أحمد الدريدي، الكاتب العام للمركز المغربي من اجل ديمقراطية الانتخابات
مساهمة في تقييم الديمقراطية الانتخابية ودور اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات
تقديم عام
يندرج هذا المقال ضمن إطار مرحلة اولى؛ لملاحظة الانتخابات، كما أنها لا تعبّر عن موقف سياسي أو حزبي. وإنما تهدف إلى تحليل مدى إسهام منظومة الحكامة الانتخابية بالمغرب في تعزيز الديمقراطية الانتخابية، وذلك في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان، والمعايير الدولية ذات الصلة بالانتخابات الديمقراطية، والتجارب المقارنة.
ويولي المقال عناية خاصة للجنة المركزية لتتبع الانتخابات، التي أعيد تفعيلها، بتعليمات ملكية، في سياق الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية التشريعية التي من المزمع اجرائها في 23سبتمبر 2025.
وتتمثل إحدى المرتكزات المنهجية الأساسية للدراسة في عدم تناول اللجنة المركزية باعتبارها جهازاً مؤسساتياً قائماً بذاته أو معزولاً عن محيطه، وإنما باعتبارها إحدى الآليات المندرجة ضمن المنظومة الوطنية للحكامة الانتخابية، التي تشمل المؤسسات الدستورية، والإدارة الانتخابية، والسلطة القضائية، والأحزاب السياسية، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والملاحظين المستقلين للانتخابات، والناخبين، وسائر الفاعلين المعنيين بالعملية الانتخابية.
ومن هذا المنطلق، لا تُقاس فعالية اللجنة المركزية فقط من خلال اختصاصاتها المباشرة، وإنما أيضاً من خلال طبيعة علاقاتها المؤسساتية، ومستوى التنسيق والتكامل بينها وبين مختلف مكونات منظومة الحكامة الانتخابية.
نطرح الإشكالية والفرضية والمنهجية من خلال السؤال المركزي التالي:
إلى أي مدى تسهم منظومة الحكامة الانتخابية بالمغرب، وبصفة خاصة اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، في الوفاء بمتطلبات الديمقراطية الانتخابية، كما تحددها المعايير الدولية لحقوق الإنسان والممارسات الفضلى المستخلصة من التجارب المقارنة؟
و للإجابة على هذا السؤال المركزي سنحاول الإجابة على 5 أسئلة فرعية؛
ما المكونات الأساسية للحكامة الانتخابية في ضوء المعايير الدولية؟
ما المعايير والمؤشرات التي يمكن اعتمادها لتقييم مستوى الديمقراطية الانتخابية؟
ما الموقع الذي تحتله اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات ضمن البنية المؤسساتية للانتخابات بالمغرب؟
ما أوجه الالتقاء والتباين بين منظومة الحكامة الانتخابية المغربية والمعايير الدولية ذات الصلة؟
ما الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية والإدارية الكفيلة بتعزيز الديمقراطية الانتخابية والنزاهة الانتخابية بالمغرب؟
ينطلق المقال من مجموعة من الفرضيات الأساسية:
إن الديمقراطية الانتخابية مفهوم يتجاوز مجرد احترام المشروعية الشكلية والقواعد القانونية المنظمة للاقتراع، ليشمل مجموع الشروط السياسية والقانونية والمؤسساتية والمجتمعية الضامنة لحرية الإرادة الشعبية ونزاهة العملية الانتخابية.
يمكن للجنة المركزية لتتبع الانتخابات أن تضطلع بدور مهم في دعم النزاهة الانتخابية والوقاية من الاختلالات والمخالفات، غير أن فعالية هذا الدور تظل رهينة بمدى وضوح اختصاصاتها، وفعالية آليات عملها، ومستوى التنسيق والتكامل بينها وبين باقي المؤسسات والفاعلين في مجال الحكامة الانتخابية.
إن قياس مدى امتثال النظام الانتخابي للمعايير الدولية يقتضي اعتماد مقاربة منظومية ومتكاملة تشمل الأبعاد الدستورية والتشريعية والمؤسساتية والإدارية والقضائية والسياسية والمجتمعية للعملية الانتخابية.
راكم المغرب مجموعة من المكتسبات في مجال تدبير العمليات الانتخابية وتأطيرها القانوني والمؤسساتي، غير أن منظومة الحكامة الانتخابية لا تزال تتوفر على هوامش للتطوير والإصلاح، يمكن تحديدها من خلال التحليل المقارن والاستناد إلى المعايير الدولية والممارسات الفضلى.
منهجيتنا ومصادرنا المعتمدة في هذا المقال؛ نعتمد مقاربة منهجية متعددة الأبعاد، تجمع بين:
التحليل القانوني للنصوص الدستورية والتشريعية والتنظيمية الوطنية والصكوك الدولية ذات الصلة؛
التحليل المؤسساتي للهيئات والسلطات المتدخلة في تدبير العملية الانتخابية والإشراف عليها ومراقبتها؛
التحليل المقارن لنماذج وتجارب دولية مختارة في مجال الحكامة الانتخابية؛
تحليل الممارسات والمعايير التي طورتها المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة؛
مراجعة الأدبيات القانونية والسياسية المقارنة المتعلقة بالديمقراطية الانتخابية والنزاهة الانتخابية والعدالة الانتخابية.
ونستند أساساً إلى الاتفاقيات والصكوك الدولية لحقوق الإنسان، والتعليقات العامة والملاحظات والتوصيات الصادرة عن الهيئات الأممية، وأعمال لجنة البندقية، ومرجعيات الاتحاد الإفريقي، وتقارير بعثات ملاحظة الانتخابات، فضلاً عن الدراسات والأدلة المرجعية الصادرة عن المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات (International IDEA)، والمؤسسة الدولية للنظم الانتخابية (IFES)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (PNUD).
كما نقترح ، إحداث المؤشر المغربي للديمقراطية الانتخابية (IMDE)، بوصفه أداة وطنية للقياس والتقييم الدوري لمدى توافق منظومة الحكامة الانتخابية المغربية مع المعايير الدولية للديمقراطية الانتخابية.
الإطار المفاهيمي: ثلاثة مفاهيم مركزية
.1. من «الاقتراع» إلى «الدورة الانتخابية»
يمثل مفهوم الدورة الانتخابية (Electoral Cycle) أحد التحولات الأساسية التي عرفها الفكر المعاصر المتعلق بالانتخابات الديمقراطية.
وينطلق هذا المفهوم، الذي تبنته وطوّرته العديد من المنظمات الدولية المتخصصة، من اعتبار أن العملية الانتخابية لا تبدأ يوم الاقتراع ولا تنتهي بمجرد الإعلان عن النتائج، بل تشكل مساراً متكاملاً ومتواصلاً يمتد عبر مراحل مترابطة تسبق الاقتراع وتواكبه وتليه.
وتشمل الدورة الانتخابية، على وجه الخصوص: وضع الإطار القانوني، وتحديد الدوائر الانتخابية، وإعداد اللوائح الانتخابية وتحيينها، وتسجيل الناخبين، وإجراءات الترشح، والتنظيم اللوجستي، والحملة الانتخابية، والتمويل السياسي والانتخابي، والولوج المنصف إلى وسائل الإعلام، والتصويت، وفرز الأصوات، وتجميع النتائج والإعلان عنها، والمنازعات والطعون الانتخابية، ثم التقييم اللاحق للعملية الانتخابية.
ويترتب عن هذا التصور أن أي اختلال جوهري يطال إحدى حلقات الدورة الانتخابية يمكن أن يؤثر في نزاهة العملية برمتها وفي مصداقية نتائجها، حتى وإن جرت عملية التصويت نفسها في ظروف سليمة من الناحية التقنية.
.2. النزاهة الانتخابية (Electoral Integrity)
تشكل النزاهة الانتخابية مفهوماً مركزياً في تقييم جودة الانتخابات الديمقراطية، وهي لا تقتصر على مجرد غياب التزوير أو المخالفات الانتخابية يوم الاقتراع.
بل تشمل مجموعة مترابطة من المبادئ والضمانات، من بينها: شمولية الاقتراع والمساواة فيه، وحرية الناخب في التعبير عن إرادته، وسرية التصويت، وصدقية العمليات الانتخابية، وحياد الإدارة الانتخابية، واستقلالية هيئات الرقابة والإشراف، وشفافية مختلف مراحل العملية الانتخابية، والمساءلة المؤسساتية، وفعالية سبل الطعن والانتصاف، وضمان المشاركة السياسية والانتخابية على قدم المساواة ودون تمييز.
ويعكس مفهوم النزاهة الانتخابية تحولاً من المقاربة الزجرية التقليدية، التي تركز أساساً على اكتشاف المخالفات والجرائم الانتخابية ومعاقبتها بعد وقوعها، إلى مقاربة وقائية واستباقية تقوم على تحديد المخاطر الانتخابية وتدبيرها، وتعزيز الضمانات المؤسساتية، وبناء الثقة العامة في العملية الانتخابية ومؤسساتها.
.3. الحكامة الانتخابية (Electoral Governance)
يقصد بـالحكامة الانتخابية مجموع المؤسسات والقواعد القانونية والمساطر والآليات والتفاعلات التي تؤطر تنظيم العملية الانتخابية وإدارتها والإشراف عليها ومراقبتها وتقييمها، بما يكفل توافقها مع المبادئ الديمقراطية والمعايير الدولية ذات الصلة.
ومن ثم، فإن الحكامة الانتخابية تتجاوز المفهوم الضيق للإدارة التقنية للانتخابات، لتشمل شبكة واسعة من المؤسسات والسلطات والفاعلين، بما في ذلك السلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، والمؤسسات الدستورية والهيئات المستقلة، والجماعات الترابية، والأحزاب السياسية، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، وهيئات الملاحظة المستقلة للانتخابات.
وتقوم الحكامة الانتخابية الفعالة على مبدأ التكامل والتنسيق المؤسساتي، وليس على مجرد تجاور الاختصاصات أو تعدد المتدخلين. كما تفترض وجود آليات دائمة للتقييم والمساءلة والشفافية، بما يسمح بالتطوير المستمر للمنظومة الانتخابية وتعزيز ثقة المواطنات والمواطنين فيها.
المعايير الدولية المعتمدة في هذا المقال
* الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 – المادة 21
تنص المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن:
»إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجرى دورياً، بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين، وبالتصويت السري «
وتكتسي هذه المادة أهمية تأسيسية، باعتبارها من أولى المقتضيات الدولية التي كرست بصورة واضحة العلاقة بين ممارسة الحقوق السياسية ومشروعية السلطة الديمقراطية.
فالمشاركة السياسية، وفق هذا التصور، ليست منحة تمنحها الدولة، وإنما حق أساسي من حقوق الإنسان.
ويمكن استخلاص خمسة مقومات أساسية للانتخابات الديمقراطية من هذه المادة:
o إجراء انتخابات حقيقية ونزيهة؛
o دورية الانتخابات؛
o شمولية الاقتراع والمساواة فيه؛
o ضمان سرية التصويت؛
o ضمان التعبير الحر عن إرادة الناخبين.
ويرتبط هذا المقتضى الأخير ارتباطاً وثيقاً بضمان حريات الرأي والتعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات، باعتبارها شروطاً لازمة لتكوين الإرادة السياسية الحرة والتعبير عنها.
* العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 – المادة 25
يكتسي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أهمية قانونية خاصة، لكونه، بخلاف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يرتب التزامات قانونية دولية ملزمة على الدول الأطراف فيه، ومن بينها المملكة المغربية.
وتكرس المادة 25 منه حق كل مواطن، دون تمييز غير مبرر، في المشاركة في إدارة الشؤون العامة، وفي أن ينتخب ويُنتخب في انتخابات نزيهة ودورية تجري على أساس الاقتراع العام والمتساوي وبالتصويت السري، بما يضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين.
ولا يقتصر مضمون هذه المادة على إلزام الدولة بعدم التدخل التعسفي في ممارسة الحقوق السياسية، وإنما يرتب عليها أيضاً التزامات إيجابية تقتضي اتخاذ التدابير التشريعية والمؤسساتية والإدارية الضرورية لضمان الممارسة الفعلية لهذه الحقوق.
* التعليق العام رقم 25 للجنة حقوق الإنسان لسنة 1996
يمثل التعليق العام رقم 25 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة المرجع التفسيري الأساسي للمادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وتبرز أهميته بالنسبة إلى تحليل الحالة المغربية من خلال مجموعة من المبادئ الأساسية.
أولاً، يؤكد أن الحقوق المنصوص عليها في المادة 25 تقع في صميم الحكم الديمقراطي القائم على رضا الشعب وموافقته، وهو ما يكرس مفهوماً موضوعياً وجوهرياً للديمقراطية يتجاوز مجرد احترام الإجراءات الشكلية.
ثانياً، يعتمد التعليق مفهوماً واسعاً للمشاركة في إدارة الشؤون العامة، يشمل التصويت والترشح وتولي الوظائف العامة، فضلاً عن المشاركة في النقاش العام والعمل السياسي والحزبي والمدني وآليات التشاور العمومي.
ويوفر هذا التصور أساساً معيارياً مهماً للاعتراف بدور المجتمع المدني وهيئات الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات في دعم شفافية العملية الانتخابية وتعزيز الثقة العامة فيها.
ثالثاً، يؤكد التعليق العام على الالتزامات الإيجابية الواقعة على عاتق الدول، والتي تشمل، من بين أمور أخرى، ضمان موثوقية اللوائح الانتخابية، وتيسير إجراءات التسجيل، وضمان الولوج الفعلي إلى مكاتب التصويت، بما في ذلك بالنسبة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة، ووضع شروط معقولة وغير تمييزية للأهلية والترشح، فضلاً عن حماية حريات التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات والتنقل وحرية الصحافة.
وقد أسهمت هذه المبادئ في بلورة مجموعة من المعايير الموضوعية التي شكلت لاحقاً أساساً لتطور مفاهيم الحكامة الانتخابية والنزاهة الانتخابية والعدالة الانتخابية، وهي المفاهيم التي يعتمد عليها المقال في تقييم منظومة الحكامة الانتخابية المغربية وموقع اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات ضمنها.
* . مرجعيات دولية وإقليمية أخرى
نستند كذلك إلى المرجعيات والممارسات التي طورتها لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان (OSCE/ODIHR)، والاتحاد الإفريقي، والمؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات (International IDEA)، والمؤسسة الدولية للنظم الانتخابية (IFES)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (PNUD).
وتكشف هذه المرجعيات، رغم اختلاف السياقات السياسية والدستورية للدول، عن وجود قاعدة مشتركة من المعايير والمبادئ الدولية المتعلقة بالانتخابات الديمقراطية، دون أن يعني ذلك فرض نموذج مؤسساتي أو انتخابي موحد.
وتشمل هذه المبادئ، بصفة خاصة:
o استقرار الإطار القانوني المنظم للانتخابات ووضوحه وقابليته للتوقع؛
o شمولية الاقتراع والمساواة فيه؛
o حرية المشاركة السياسية والتنافس الانتخابي؛
o حياد الإدارة الانتخابية وعدم تحيزها؛
o تكافؤ الفرص بين المتنافسين؛
o ضمان الولوج المنصف إلى وسائل الإعلام؛
o شفافية التمويل السياسي والانتخابي؛
o ضمان حياد الموارد والإمكانات العمومية وعدم توظيفها لفائدة طرف انتخابي؛
o استقلالية آليات الرقابة وفعالية سبل الطعن والانتصاف؛
o ضمان الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات؛
o تعزيز المشاركة السياسية والانتخابية للنساء والشباب والأشخاص في وضعية إعاقة؛
o التصدي للتضليل الإعلامي والمعلومات المضللة؛
o تعزيز الأمن الرقمي والسيبراني للعملية الانتخابية.
المغرب والتزاماته الدولية
يؤكد دستور المملكة المغربية لفاتح يوليوز 2011 تشبث المملكة بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالمياً، والتزامها بحماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، والإسهام في تطويرهما، مع مراعاة مقتضيات الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة.
كما يكرس التوجه نحو ملاءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.
والمملكة المغربية طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما صادقت على عدد من الاتفاقيات الدولية التي تكرس مبادئ المساواة وعدم التمييز، والمساواة بين النساء والرجال، وحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة.
ويشارك المغرب كذلك في أعمال الاتحاد الإفريقي، ويقيم علاقات تعاون وحوار مؤسساتي مع مجلس أوروبا والاتحاد الأوروبي حول قضايا الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان.
ومن هذا المنطلق، نؤكد أن غايتنا ليست تقييم التجربة المغربية انطلاقاً من نموذج أجنبي جاهز أو إسقاط نموذج مؤسساتي خارجي عليها، وإنما فحص مدى توافق الآليات الوطنية للحكامة الانتخابية مع الالتزامات الدولية التي ارتضتها المملكة المغربية والتزمت بها في إطار القانون الدولي.
اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات
أُعيد تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، بتعليمات ملكية، في سياق الاستعداد لمرحلة انتخابية جديدة.
ولا تهدف اللجنة، من حيث طبيعتها ووظيفتها، إلى الحلول محل المؤسسات والسلطات التي خولها الدستور والقانون اختصاصات مباشرة في المجال الانتخابي، وإنما تشكل آلية للتنسيق المؤسساتي والتتبع ومعالجة القضايا والإشكالات التي من شأنها التأثير في سلامة العملية الانتخابية ونزاهتها، ولا سيما ما يرتبط بالمخالفات والجرائم الانتخابية.
ويندرج عمل اللجنة، من هذا المنظور، ضمن مقاربة وقائية واستباقية تقوم على التنسيق المؤسساتي، ورصد المخاطر المحتملة، والمساهمة في ضمان التطبيق السليم للقواعد القانونية المنظمة للعملية الانتخابية.
غير أن فعالية اللجنة لا يمكن تقييمها بمعزل عن محيطها المؤسساتي، بل تظل مرتبطة بمدى قدرتها على التنسيق والتفاعل مع مختلف مكونات منظومة الحكامة الانتخابية، بما يشمل السلطات الإدارية، والنيابة العامة، والسلطة القضائية، والأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون، والأحزاب السياسية، والمرشحين، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، وهيئات الملاحظة المستقلة للانتخابات، والمواطنات والمواطنين.
التطور التاريخي للمرجعية المفاهيمية للانتخابات الديمقراطية
خلال جزء كبير من القرن العشرين، انصب التحليل القانوني للانتخابات أساساً على مدى احترام العمليات الانتخابية لمقتضيات القانون الداخلي، ولا سيما القواعد المتعلقة بنمط الاقتراع، وشروط الأهلية والترشح، وتحديد الدوائر الانتخابية، وإجراءات التصويت وفرز الأصوات.
وقد عكس هذا التوجه تصوراً إجرائياً للديمقراطية الانتخابية، يقوم على افتراض أن سلامة الإجراءات واحترام القواعد القانونية المنظمة للاقتراع يكفيان، في حد ذاتهما، لإضفاء المشروعية الديمقراطية على العملية الانتخابية.
غير أن هذا التصور تعرض لمراجعة عميقة مع موجة التحولات الديمقراطية التي شهدها العالم ابتداءً من أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ولا سيما في أعقاب نهاية الحرب الباردة.
فقد أظهرت التجارب الدولية أن عدداً من الدول كان ينظم انتخابات منتظمة من الناحية القانونية والإجرائية، في الوقت الذي كانت فيه القيود المفروضة على التعددية السياسية، وحرية التعبير، واستقلالية وسائل الإعلام، والمنافسة المتكافئة بين المرشحين، تحد بصورة جوهرية من حرية الاختيار الديمقراطي.
وقد أدى هذا الواقع إلى تحول عميق في المقاربة الدولية للانتخابات، بحيث انتقل الاهتمام من التركيز الحصري على يوم الاقتراع إلى تقييم الدورة الانتخابية بكامل مراحلها، ومن قياس مجرد الانتظام القانوني للعملية الانتخابية إلى تقييم مستوى النزاهة الانتخابية وجودة الحكامة الانتخابية وفعالية العدالة الانتخابية.
ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة، لأنه يؤسس منهجياً لضرورة تقييم اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات في إطار قراءة منظومية شاملة للحكامة الانتخابية، بدلاً من الاقتصار على تحليل تقني أو قانوني ضيق للنصوص المنظمة لها أو لاختصاصاتها المباشرة.
و من هنا يمكن استخلاص مجموعة من المرتكزات المعيارية والحجاجية التي يمكن توظيفها في تقييم اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات في إطار قراءة منظومية شاملة للحكامة الانتخابية:
أولاً: وجود أساس معياري دولي قوي وقابل للتوظيف القانوني والتحليلي. وتشكل المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتعليق العام رقم 25 للجنة حقوق الإنسان، مرتكزات أساسية لصياغة معايير موضوعية لتقييم الديمقراطية الانتخابية والحكامة الانتخابية.
ثانياً: لا يمكن لأي لجنة للتتبع، مهما بلغت أهمية اختصاصاتها، أن تضمن بمفردها النزاهة الانتخابية. ذلك أن النزاهة الانتخابية هي حصيلة أداء منظومة متكاملة من المؤسسات والفاعلين والقواعد والضمانات. ومن ثم، ينبغي أن يشمل تقييم اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات طبيعة علاقاتها وآليات تنسيقها مع الإدارة الانتخابية، والسلطة القضائية، والنيابة العامة، والأحزاب السياسية، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني، وهيئات الملاحظة المستقلة للانتخابات.
ويوفر هذا المنظور أساساً مهماً يركز على تعزيز التنسيق والتكامل المؤسساتي، بدلاً من حصر الإصلاح في اللجنة المركزية باعتبارها جهازاً منفرداً.
ثالثاً: الانتقال من مفهوم «الانتظام القانوني للاقتراع» إلى مفهوم «حكامة الدورة الانتخابية برمتها » ويتيح هذا التحول توسيع نطاق الإصلاحات المقترحة لتشمل مختلف مراحل الدورة الانتخابية، بما في ذلك إعداد اللوائح الانتخابية، والتمويل السياسي والانتخابي، والولوج إلى وسائل الإعلام، وتنظيم الحملات الانتخابية، والملاحظة المستقلة، والمنازعات والطعون الانتخابية، فضلاً عن التقييم اللاحق للانتخابات.
رابعاً: المفهوم الموسع للمشاركة في إدارة الشؤون العامة. يوفر التعليق العام رقم 25 أساساً معيارياً للاعتراف بدور المجتمع المدني في الشأن الانتخابي، بما في ذلك حق المنظمات المستقلة في الإسهام في النقاش العمومي، وتتبع العملية الانتخابية، والقيام بالملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات وفقاً للقانون والمعايير الدولية ذات الصلة.
خامساً: المؤشر المغربي للديمقراطية الانتخابية (IMDE). رغم أن تفاصيل هذا المؤشر لم تُعرضها بعد ، فإنه يمكن تطويره باعتباره أداة وطنية مستقلة للرصد والقياس والتقييم الدوري لمستوى الديمقراطية الانتخابية، بالاستناد إلى مؤشرات واضحة وقابلة للقياس والمقارنة زمنياً.
ويمكن أن يشكل هذا المؤشر إحدى الإضافات العلمية والمنهجية الأساسية للمركز المغربي للديمقراطية الانتخابية، بما يسمح بالانتقال من التقييم الوصفي العام إلى تقييم مؤسساتي منتظم قائم على مؤشرات موضوعية.
وفي المقابل، لا تتضمن المعلومات المتاحة حتى الآن معطيات ميدانية وتجريبية كافية بشأن الأداء الفعلي للجنة المركزية لتتبع الانتخابات، وآليات اشتغالها، ومستوى التنسيق المؤسساتي الذي تمارسه، ومدى أثر تدخلاتها على تعزيز النزاهة الانتخابية.
ومن ثم، فإن استكمال الأهداف التي بني عليها صياغة هذا المقال يقتضي تعزيزه موثقة تسمح بالانتقال من تحليل الإطار المعياري إلى تقييم فعلي لأداء منظومة الحكامة الانتخابية بالمغرب، على أساس معايير ومؤشرات واضحة، وفي ضوء مبادئ النزاهة الانتخابية والعدالة الانتخابية والشفافية والمساءلة والملاحظة المستقلة للانتخابات.
ومن ثم، يشكل تحليل طبيعة التنسيق الذي تقوم به اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات ومستواه وفعاليته والتفاعل مع مختلف مكونات منظومة الحكامة الانتخابية، بما يشمل السلطات الإدارية، والنيابة العامة، والسلطة القضائية، والأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون، والأحزاب السياسية، والمرشحين، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، وهيئات الملاحظة المستقلة للانتخابات، والمواطنات والمواطنين. أحد المحاور المركزية لتقييم الحكامة الانتخابية بالمغرب على محك المعايير الدولية
وقبل ان انهي مقالي هذا او ان اثير إشكالية توظيف الدين في التنافس السياسي والانتخابي
ومن بين التحديات التي تستوجب اهتمامًا خاصًا في تقييم نزاهة العملية الانتخابية، مخاطر توظيف الدين الإسلامي ورموزه ومرجعياته من قبل تيارات الإسلام السياسي لأغراض حزبية أو انتخابية، بما قد يؤدي إلى إضفاء طابع ديني أو مقدس على اختيارات سياسية بطبيعتها، أو إلى التأثير في حرية تكوين الإرادة السياسية للناخبين من خلال استثمار المشاعر والمعتقدات الدينية في التنافس على السلطة. وتزداد خطورة هذا التوظيف عندما يتحول الخطاب الديني إلى أداة لاحتكار الشرعية الأخلاقية أو الدينية، أو لنزعها عن الخصوم السياسيين، أو لتقسيم المواطنين ضمنيًا بين من يمثل الدين ومن يُقدَّم باعتباره مناوئًا له. إن احترام حرية الدين والمعتقد وحرية التعبير والمشاركة السياسية لا يتعارض مع ضرورة حماية المجال الانتخابي من الاستغلال الأداتي للدين، بما يضمن تكافؤ الفرص بين المتنافسين، وحرية الاختيار السياسي للمواطنات والمواطنين، ويحافظ على التعددية باعتبارها أحد المرتكزات الأساسية للديمقراطية الانتخابية.



