عن حكومة “الآذان الصماء” وأجير يؤدي فاتورة الفشل وحده

بقلم سارة بصراوي( فاعلة نقابية )
يحل فاتح ماي هذه السنة والمغرب على صفيح اجتماعي ساخن، بعدما تحولت حياة فئات واسعة من المواطنين إلى سباق يومي مرهق مع الغلاء والبطالة وتآكل القدرة الشرائية وانسداد الأفق.
لم يعد المواطن يسأل عن الرفاه، بل صار يبحث فقط عن الحد الأدنى من العيش الكريم، ولم يعد الموظف ينتظر تحسين وضعه، بل أصبح منشغلا بكيفية النجاة من شهر يزداد طولا أمام دخل يتقلص فعله كل يوم.
لقد سئم الناس لغة الأرقام المزيفة والخطب المزوقة، لأن الواقع أبلغ من كل البلاغات، والشارع أصدق من كل التبريرات.
فهذه الحكومة التي جاءت على أكتاف الوعود، لم تحصد إلا خيبات متتالية، ولم تقدم للمغاربة سوى مزيد من الضغط والقلق وفقدان الثقة.
لقد وعدت بالتشغيل، فإذا بالبطالة ترتفع وتضرب الشباب في الصميم، حتى صار آلاف الخريجين أسرى المقاهي والانتظار والهجرة القسرية.
ووعدت بإنعاش الاقتصاد، فإذا بالمقاولات الصغرى والمتوسطة تسقط الواحدة تلو الأخرى تحت ضربات الضرائب وغلاء المحروقات وصعوبة التمويل وتأخر المستحقات، حتى ماتت مشاريع كثيرة في صمت، وأغلقت أبواب كانت تؤمن خبز آلاف الأسر.
ووعدت بحماية القدرة الشرائية، فإذا بالأسعار تنفلت كأنها بلا رقيب، وكلما اهتز سوق دولي أو ارتفع سعر برميل في أقصى الأرض، اشتعلت الأسعار هنا وكأن مضيق هرمز يوجد بين سلا وتمارة لا بين الخليج وإيران، أما حين تنخفض الأسعار عالميا فلا يسمع المواطن إلا صدى الصمت.
لقد تحول تحرير الأسعار إلى تحرير جيوب المواطنين من آخر ما تبقى فيها، وتحول مجلس المنافسة إلى شاهد على الفوضى أكثر منه أداة لردع الاحتكار، فيما تضخمت أرباح المحروقات وتضخمت معها معاناة الأسر.
يدفع الموظف الضريبة من المنبع دون رحمة، ويؤدي الأجير كلفة الأزمات كاملة، بينما ينجو كبار المستفيدين من كل مساءلة، وكأن هذا الوطن خلق لفئة تحصد الأرباح وفئات تؤدي الفاتورة.
أما المتقاعد الذي أفنى عمره في خدمة البلاد، فقد ترك يواجه نار الغلاء بمعاش هزيل وجامد لا يكفي دواء ولا كراء ولا ضروريات الحياة.
ولم تقف المأساة عند هذا الحد، بل امتدت إلى الشغيلة في القطاعات المختلفة، حيث تجميد الحوارات القطاعية، وتأخير الأنظمة الأساسية، واستمرار الحيف في حق فئات واسعة من المتصرفين والمهندسين والتقنيين والمساعدين الإداريين وغيرهم.
وبدل أن تفتح الحكومة أبواب الإنصاف، أغلقت أبواب الحوار، وبدل أن تبني الثقة، راكمت الاحتقان، وبدل أن تسمع نبض المجتمع، اختارت سياسة الآذان الصماء.
إن فاتح ماي اليوم ليس مهرجانا عابرا ولا مناسبة بروتوكولية، بل هو يوم الحقيقة، يوم يرفع فيه العامل والموظف والمقاول الصغير والمتقاعد والشاب العاطل صوتهم عاليا بأن الكرامة ليست امتيازا يمنح، بل حق ينتزع، وأن الإنصاف الاجتماعي ليس شعارا انتخابيا، بل التزام سياسي وأخلاقي.
هو يوم نقول فيه إن الوطن لا يبنى بإفقار طبقته الوسطى، ولا بخنق مقاولاته الصغرى، ولا بترك شبابه للبطالة، ولا بتحويل الأجراء إلى خزنة مفتوحة لتمويل الاختلالات.
ولتكون تظاهرة فاتح ماي ناجحة، يجب أن تكون صورة حية لوحدة الشغيلة وقوة التنظيم وصدق المطالب، وأن تحمل رسالة واضحة: زيادة حقيقية في الأجور والمعاشات، ربط الأجور بارتفاع الأسعار، حماية المقاولة الوطنية المنتجة، وقف تغول الاحتكار، تخفيف العبء الضريبي عن الأجراء، إنصاف المتقاعدين، احترام الحق في الإضراب، وإطلاق حوار اجتماعي مسؤول لا حوار الصور والبلاغات.
يجب أن تكون رسالة مدوية بأن الشعب لم يعد يقبل أن يكون الحلقة الأضعف في كل معادلة، ولا الضحية الدائمة لكل فشل. فليرتفع الصوت في هذا فاتح ماي: لا للغلاء، لا للبطالة، لا لخنق المقاولات الصغرى، لا للاحتكار، لا لتجميد الحوار، لا لسياسات ترهق الناس وتحمي النافذين.
نعم للشغل، نعم للكرامة، نعم لصون القدرة الشرائية، نعم للإنصاف الاجتماعي، نعم لوطن يشعر فيه العامل بثمرة جهده، والموظف بقيمة عطائه، والشاب بأمل مستقبله، والمتقاعد بوفاء بلاده.
تحية لكل المناضلات والمناضلين، لكل يد تبني، لكل صوت حر يرفض الصمت، ولكل مواطن يؤمن أن الحقوق تنتزع ولا توهب.



