لماذا يعد علم الآثار المغربي حدثا مفصليا في الأنثروبولوجيا العالمية ؟
احساين إلحيان
ترجمة : نيهاد القزوي
نشر، مؤخرا، موقع Morocco World News، مقالة باللغة الإنجليزية للباحث الانثروبولوجي المغربي حساين إلحيان (أستاذ جامعي بجامعة أريزونا بأمريكا) بعنوان Why MoroccanArchaeology Is a Big Deal for World Anthropology.تكشف هذه المقالة كيف تحولت جغرافيا المغرب من هامش في سردية الأصول البشرية إلى مركز يعيد تشكيل فهمنا لتاريخ العالم. فالاكتشافات الأثرية في جبل إيغود، ومغارة بيزمون، ومواقع الدار البيضاء وواد بهت، أظهرت أن المغرب كان فضاء مبكرا لتشكل الإنسان العاقل، وبزوغ التفكير الرمزي، ونشوء أنماط اجتماعية وزراعية معقدة، وبذلك لم يعد تاريخ البشرية يُقرأ من مهد واحد محدود، بل من خريطة إفريقية واسعة كانت أرض المغرب أحد محاورها الحاسمة. ومن هنا، لا تقدم أرض المغرب فصلا محليا في التاريخ، بل تعيد كتابة القصة الكبرى لبدايات الإنسان والحضارة.
في ما يلي ترجمة لهذه المقالة الهامة:
نص المقالة:
طوال قرن ونيف، استرشد علم الأنثروبولوجيا بمجموعة من الافتراضات حول الأصول والابتكار والجغرافيا، وكان أبرزها نموذج “الخروج من إفريقيا” المؤثر، ورغم صحة هذا النموذج في اعتباره القارة الإفريقية مهدا للبشرية، فقد حصر هذا الأصل في بقعة “محليّة“ بشرق إفريقيا، افترض أنها المركز الذي انطلق منه البشر المعاصرون لاحقا نحو بقية العالم.
امتد هذا الحصر إلى الجانب الجسدي والمعرفي، إذ ظهر السلوك الرمزي ضمن هذا الإطار كإنجاز حضاري متأخر، بينما وُضِعت منطقة شمال إفريقيا، أو المغرب الكبير، في خانة المناطق الهامشية التي تنفعل بالتحولات الحضارية ولا تصنعُها، وتسربت هذه التصورات إلى المناهج الدراسية، ومعروضات المتاحف، وصاغت المخيال العالمي حول بدايات الجنس البشري.
اليوم، بدأت تلك التصورات تتهاوى
في المرحلة الراهنة، بدأت هذه التصورات في الأفول، إذ زعزعت سلسلة من الاكتشافات الناشئة من المغرب خلال العقد الماضي هذا الإطار المفاهيميالموروث، وما يحلّ محله الآن يتجاوز مجرد جدول زمني معدل، إلى طريقة مختلفة تماما في الرؤية، رؤية تظهر فيها إفريقيا كحقل شاسع على مستوى القارة للتجارب التطورية والثقافية، ويظهر فيها المغرب الكبير كأحد مراكز الابتكار المولدة فيها.
من هنا تبرز الأهمية البالغة لعلم الآثار المغربي، فهو يضيف تفاصيل جديدة إلى قصة باتت معالمها مستقرة، ويفرض علينا إعادة النظر في منطلق هذه القصة ذاتها، ومعها تلك الافتراضات التي صاغت لأمد بعيد طريقة سردنا للتاريخ البشري، ولفهم حجم هذا التحول، يجدر بنا تأمل الكيفية التي صُوِّر بها المغرب الكبير سابقا، فعلى مدى عقود، ظل المغرب يقبع في هوامش السردية البشرية، باعتباره مجرد فكرة ثانوية في المراجع العلمية، وممرا لا وجهة، وفضاء يُفترض فيه التلقي بدل الابتكار، هذه الرؤية، المتجذرة في عادات تفكير موروثة أكثر من استنادها إلى أدلة مادية، جعلت شمال إفريقيا تتخلف في المنظور العلمي عن مراكز التطور البشري المعروفة في شرق إفريقيا، والشرق الأدنى، وأوروبا.
لم تعد هذه السردية قابلة للتصديق
تراجعت قابلية هذه السردية للتصديق اليوم، إذ يروي السجل الأثري الناشئ من المغرب قصة مغايرة، تستند إلى علم طبقات الأرض، الستراتيغرافيا، والتأريخ الإشعاعي، والبقايا المادية، وتكشف عن منطقة انخرطت بعمق في العمليات التي شكلت البشرية، في صميم جوهرها، وما كان يُعامل يوما كأمر هامشي، يظهر الآن كمركز بنيوي وجزء لا يتجزأ من شبكة أوسع من الحركة والتبادل والتكيف.
إن ما يتجلى لنا اليوم يتخذ صورة لوحة فسيفسائية، نمط من الظهور والتفاعل الممتد على اتساع القارة، وضمن هذه الفسيفساء، يظهر المغرب الكبير بوصفه بوثقة تقاطعت فيها مسارات متعددة للتطور البشري، وتداخلت وتطورت عبرها.
وتصبح هذه الدلالات أكثر وضوحا حين ننتقل إلى مسألة الأصول البشرية ذاتها، إذ جاءت نقطة التحول مع اكتشافات بدت في الوهلة الأولى تقنية، تأريخات معدلة، وتحليلات جديدة للأحافير، وتسلسلات زمنية منقحة، ومع ذلك، فإن تداعياتها تتجاوز مجرد التنقيح.
في “جبل إيغود“، أعيد تأريخ الأحافير التي كان يعتقد يوما أنها حديثة نسبيا لتعود إلى ما يقرب من 315,000 عام، وفي لحظة واحدة، تراجع الجدول الزمني للإنسان العاقل إلى الوراء بأكثر من 100,000 عام، وبنفس القدر من الأهمية، اتسعت جغرافيا أصولنا، فلم يعد البشر الأوائل محصورين في مهد شرق إفريقيا، فقد كانوا حاضرين في شمال إفريقيا في مرحلة مبكرة بشكل مذهل.
لكن الأهمية تتصل بما تكشفه هذه الأحافير عن طبيعة التطور البشري ذاته، فالوجوه حديثة الملامح تماما، بينما تحتفظ صناديق الجماجم بسمات أكثر بدائية، وهذا الظهور يعكس عملية تراكم تدريجي للسمات تتكشف عبر الزمن والمناطق، إذ يظهر التطور هنا كنهر تتعدد قنواته لتصب في النهاية فيما نعرفه الآن بالإنسان العاقل.
وبالانتقال شمالا، وتحديدا على مقربة من الدار البيضاء، يدفع موقع “مقلع طوما” بحدود الاستيطان البشري إلى حقب غائرة في القدم، إذ تشير الأحافير التي يعود تاريخها إلى حوالي 773,000 عام إلى أن المجموعات البشرية في المغرب الكبير كانت متمركزة بالفعل بالقرب من نقطة تفرع السلالات البشرية الرئيسية، هنا، نلمح ظهور الإنسان العاقل، وذلك التفرع الأعمق الذي أنتج لاحقاً إنسان «النياندرتال Neanderthals» و«الدينيسوفان Denisovans»، مما يشير إلى أصل مشترك ومتشابك تجذر عبر الأقاليم بدلا من انحصاره في منطقة واحدة.
وبالنظر إليها مجتمعة، فإن هذه النتائج تسعى إلى إضفاء نوع من التركيب والتعقيد على نموذج “الخروج من إفريقيا”، فبدلا من التسليم بوجود مهد واحد، تشير الأدلة إلى وجود “صيرورة إفريقية شاملة ” لظهور جنسنا البشري، أسهمت فيها مناطق متعددة بما فيها المغرب الكبير، وبذلك تحولت إفريقيا من مجرد نقطة ثابتة على الخريطة إلى مشهد متغير من التطور المشترك، مشهد ديناميكي، ومترابط، ومتنوع في بنيته الداخلية.
وعند هذا المنعطف، حيث يزداد الزمن عمقا والجغرافيا اتساعا، تتضح الأبعاد الأوسع لهذا المشهد، فنحن اكتسبنا إنسانيتنا عبر فضاءات جغرافية ممتدة، ومن خلال تحولات تدريجية طالت الجسد والعقل والمجتمع، تجلت فصولها على مدى زمني سحيق، ومن بين تلك الفضاءات، برزت أراضي المغرب كعنصر حاسم، حيث تشكلت فيها ركائز جوهرية من هذه العملية الطويلة، وفي خضم تلك “الصيرورة“ الممتدة والمتفاوتة، كان المغرب الكبير من بين الأماكن التي صِيغَ فيها هذا الوجود.
وإذا كانت هذه الاكتشافات قد أعادت رسم ملامح التطور البيولوجي لأجسادنا، فإنها تحثنا بالقدر ذاته على تأمل نشأة العقل الإنساني، فإذا كانت الأحافير هي الدليل على اكتمال خلقنا، فإن الآثار المادية هي الشاهد على انبثاق فكرنا.
في “مغارة بيزمون“، كشف علماء الآثار عن مجموعة صغيرة من الخرز الصدفي shell beads، لا تتعدى ثلاثا وثلاثين قطعة، قد يبدو من السهل غض الطرف عنها، بيد أن قيمتها العلمية أعمق من أن تختزل في حجمها الضئيل، إذ يعود تاريخها إلى ما لا يقل عن 142,000 عام، وهي تمثل بذلك أقدم حلي شخصية معروفة في تاريخ البشرية، وقد جرى انتقاء هذه الخرزات بعناية، وتشذيبها، وثقبها، ثم ارتداؤها، ويحمل بعضها آثارا من مادة المَغرة الحمراء، الأوكر، كما تظهر على الكثير منها أنماط تآكل تؤكد تعليقها في حبال أو حياكتها على الملابس، والأهم من ذلك أن هذه اللقى نُقلت إلى المناطق الداخلية بعيدا عن سواحلها الأصلية، وهو ما يؤكد أن عملية جمعها كانت تعكس إدراكا رمزيا منحها قيمة معنوية مستدامة.
هذه اللقى تجسد لغة رمزية للتواصل
وعلى هذا النحو، تمثل هذه القطع أكثر من مجرد زينة، فهي أداة من أدوات التواصل، وقد غدت هذه اللقى بمثابة تجليات رمزية للهوية، ومؤشرات معبرة عن الانتماء أو المكانة أو الانتساب الاجتماعي، إذ أتاحت للأفراد الإفصاح عن هويتهم بما يتجاوز روابط القرابة المباشرة، وسمحت للبشر بمد جسور التعاون مع الآخرين خارج نطاق القرابة، مما أتاح قيام شبكات تفاعل أكثر اتساعا، وبهذا المعنى، فهي تعمل كنوع من “التكنولوجيا الاجتماعية” التي وضعت اللبنات الأولى لأشكال أكثر تعقيدا من التعاون البشري، كما أنها تُلمح إلى بزوغ الرموز المشتركة، والمعاني الجماعية، والمجتمعات المتخيلة.
وإذا كان الخرز الصدفي قد وضع اللبنات الأولى للتواصل الاجتماعي، فإن هذا التاريخ الضارب في القدم من الابتكار يمتد إلى تشكّل المجتمعات المعقدة، فبعد أن ساد الاعتقاد، طوال القرن العشرين، بأن الفترة ما بين 4000 و1000 قبل الميلاد في شمال إفريقيا كانت فجوة تاريخية، أي مجرد فاصل زمني مهجور يترقب وصول الحضارات الخارجية.
الفجوة التاريخية تضيق اليوم
جاءت الاكتشافات الجديدة لتبدد هذا التصور، إذ يكشف موقع “واد بهت” عن واقع مغاير تماما، فهذا الموقع، الذي يعود تاريخه إلى الفترة ما بين 3400 و2900 قبل الميلاد، يجسد مجتمعا زراعيا ضخما ومنظما، يتميز بكثافة عالية من حفر التخزين، مما يشهد على وجود فائض في الإنتاج، ونظام زراعي متنوع، برع سكانه في زراعة الحبوب والبقوليات، وتربية الماشية، وصناعة فخار متطور، وبفضل حجمه وتنظيمه ومساحته، يتبوأ موقع “واد بهت” مكانة ضمن أهم المجمعات الزراعية خارج وادي النيل، وبذلك غدا “واد بهت“ مركزا حضاريا بامتياز.
وفي امتداد لهذا المسار، يقدم لنا موقع “كاش كوش” دليلا آخر على الحيوية الاجتماعية، فهذه المستوطنة العريقة، التي امتد وجودها من عام 2200 إلى 600 قبل الميلاد، تكشف عن تشكل اجتماعي مستدام تميز بالاستمرارية والقدرة على التكيف، وحين بدأت التأثيرات الفينيقية في الظهور، جرى تطويعها وإعادة صياغتها لتنسجم مع السياق المحلي، مما يؤكد مرة أخرى استقلالية الابتكار الحضاري في المنطقة.
إن هذه الشواهد مجتمعة تؤكد بالملموس أن التطور في المغرب العربي كان ثمرة دينامية داخلية وتفاعل حضاري خلاق، فما يبرز هنا حالة من الذاتية الفاعلة، وفعل “تفاوض“حضاري، تجاوز المحاكاة أو الانتقال العشوائي للأفكار، ليظهر المغرب العربي إثر ذلك بوصفه مفصلا حيويا يربط بين إفريقيا وأوروبا والمحيط الأطلسي.

فاعلية ذاتية خالقة للتاريخ
وهذه التحولات بدورها تدعونا إلى إعادة النظر في التاريخ وفي كيفية إنتاج المعرفة ذاتها، فهي تعيد صياغة فهمنا للاستمرارية والهوية في شمال إفريقيا، مشيرة إلى وجود مسارات ثقافية عميقة ومستدامة، ومتجاوزة ذلك المنظور الذي يرى التطور كمجرد أحداث عارضة مدفوعة من الخارج، كما أنها تقوض السرديات الراسخة التي تربط التقدم بالتدخل الخارجي دوماً.
ومن وحي هذه الاكتشافات المتضافرة، تتبدى لنا رؤية أوسع وأعمق، فقد غدا الزمن أكثر امتدادا، واتسعت إفريقيا لتتحول من “مهد واحد“ إلى فضاء قاري للابتكار، وتغيرت صورتنا عن البشرية ذاتها، إذ تبين أنها ظهرت في وقت أبكر، وانتشرت على نطاق أوسع، وتشكلت في مسارات أكثر تعقيدا مما كنا نظن يوماً.
ويبقى السؤال القائم هو، كيف نروي هذه الاكتشافات؟ والأهم من ذلك، من المستفيد منها؟ فإذا كان علم الآثار المغربي قد أعاد صياغة الماضي، فإن مستقبله رهين بكيفية مشاركة هذه النتائج وحفظها ثم استثمارها، إننا أمام فرصة تتجاوز البحث العلمي الأكاديمي إلى إعادة التفكير في مفهوم التراث، والسرد التاريخي، والتفاعل المجتمعي، فرصة تتيح لنا ترجمة هذا “الزمن السحيق“ إلى ذاكرة جمعية، تضع المجتمعات المحلية في صلب قصتها الحضارية العريقة.
للرهانات أبعاد مادية ملموسة أيضا
غير أن الرهانات تمتد إلى أبعاد مادية ملموسة، فعلم الآثار يمكن أن يتحول من سجل للماضي إلى محرك للتنمية الاقتصادية، فإذا جرى استثمار هذه المواقع الأثرية بالشكل الأمثل، يمكنها أن تشكل ركيزة لأنماط جديدة من السياحة الثقافية، تتجاوز المشاهدة العابرة للمعالم السياحية التقليدية نحو تجارب غامرة مع الأصول الأولى للبشرية، ويقدم لنا “المتحف الوطني للأنثروبولوجيا” في مدينة مكسيكو نموذجا ملهما على كيفية تحويل التراث الأثري والإثنوغرافي إلى مورد وطني وعالمي، يجذب الزوار، ويدر الدخل، ويدمج التاريخ العميق في صميم الحياة العامة.
وعلى المنوال نفسه، يمكن للأروقة التراثية، والمتاحف المحلية، والمبادرات المجتمعية في المغرب أن تخلق فرص عمل، وتدعم الاقتصادات المحلية، وتعزز روح المسؤولية تجاه المكان، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان أن تظل فوائد هذه السرديات داخل المجتمعات المعنية، بدل أن تتحول إلى بضاعة تتداول عالميا بينما تذهب الفوائد المادية إلى مكان آخر، فإذا استثمر هذا الإرث بالشكل الصحيح، يمكن لتاريخ المغرب العريق أن يصبح موردا حيا، يضمن استدامة المجتمعات في الحاضر بقدر ما يضيء لنا سيرة الأصول الأولى للبشرية.
وفي الختام، يمتد الرهان هنا إلى مستقبل علم الأنثروبولوجيا ذاته، فمع تحرر الأبحاث الأثرية في شمال إفريقيا من ركائزها الكولونيالية، الاستعمارية، بدأت تبرز تساؤلات جديدة صاغتها أقلام الباحثين المحليين والرؤى الوطنية، لتعيد طرح السؤال حول ماهية ما نراه وكيف نراه، إننا أمام تحولات جذرية في الرؤى والتصورات، إذ إن هذه الأسئلة المعاد صياغتها هي تحديداً ما يكشف عن مفاهيم جديدة للهوية، والذاتية الفاعلة، وجوهر الحضارة الإنسانية.
إن سرد هذه القصة بكامل تفاصيلها يهدف إلى تنقيح الماضي وإعادة صياغة نظرتنا إليه، ووضع المغرب ضمن المواقع المركزية التي شهدت الإرهاصات الأولى لتشكل كينونة الإنسان عبر التاريخ.



