
عرفت الدورة الثامنة عشرة من المعرض الدولي للفلاحة بمكناس تتويج عدد من التعاونيات والمنتجين في قطاع زيت الزيتون والمنتجات المجالية، في مشهد يعكس دينامية بعض السلاسل الفلاحية وقدرتها على تحقيق الجودة والتنافسية.
غير أن هذا النجاح يطرح، في المقابل، تساؤلات عميقة حول قطاعات أخرى راهنت عليها الدولة في السنوات الأخيرة، وعلى رأسها سلسلة القنب الهندي المقنن.
فعلى الرغم من دخول قانون تقنين القنب الهندي حيز التنفيذ، وإحداث الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، إلى جانب تشجيع إحداث تعاونيات وعقد شراكات مع فاعلين صناعيين، إلا أن هذه السلسلة لم تتمكن، إلى حدود اليوم، من تحقيق نتائج ملموسة توازي التطلعات المعلنة.
غياب تعاونيات القنب الهندي عن منصات التتويج في المعرض ليس مجرد تفصيل رمزي، بل مؤشر على اختلالات أعمق تتعلق بضعف الأداء، وهشاشة سلاسل القيمة، وعدم القدرة على تحسين جودة الإنتاج أو تثمينه اقتصادياً.
وهو ما يعكس، بشكل مباشر، وضعية الفلاحين المنخرطين في هذه التعاونيات، الذين لم يلمسوا بعد تحسناً حقيقياً في مداخيلهم أو ظروف عيشهم.
في المقابل، تبرز مفارقة لافتة، حيث استفادت بعض الشركات الحاصلة على تراخيص من الوكالة من تسهيلات مالية وقروض بملايين الدراهم، غير أن جزءاً منها يواجه اليوم صعوبات في الوفاء بالتزاماته، سواء تجاه الأبناك أو تجاه التعاونيات المحلية، ما يطرح تساؤلات حول نجاعة نماذج الاستثمار المعتمدة، ومدى استدامتها.
هذا الوضع يكشف عن فجوة واضحة بين الطموح التشريعي والمؤسساتي من جهة، والواقع الميداني من جهة أخرى. فسياسة التقنين، التي كان يُفترض أن تُخرج النشاط من الهشاشة وتدمجه في اقتصاد منظم ومربح، لم تنجح بعد في خلق دينامية اقتصادية متوازنة تشمل جميع الفاعلين، خصوصاً الفلاحين الصغار.
كما يطرح الأمر إشكالية الحكامة داخل المنظومة، سواء على مستوى تأطير التعاونيات، أو مواكبة المشاريع، أو ضمان توزيع عادل للقيمة المضافة.
إذ يبدو أن التركيز انصبّ أكثر على الجانب القانوني والتنظيمي، دون توفير الشروط الاقتصادية والتقنية الكفيلة بإنجاح هذا التحول.
في المحصلة، وبينما تواصل سلاسل تقليدية مثل زيت الزيتون تحقيق التميز والتتويج، تظل سلسلة القنب الهندي تبحث عن نموذج ناجح يوازن بين الاستثمار والعدالة المجالية، ويحول الوعود إلى نتائج ملموسة.
وهو ما يفرض، اليوم، إعادة تقييم شاملة لهذه السياسة، ليس فقط من زاوية الأرقام، بل من زاوية أثرها الحقيقي على الفلاحين والتنمية المحلية.



