مقالات الرأي

مدونة الأسرة… لماذا يتأخر الإصلاح؟ ومتى نخرج من قاعة الانتظار؟

تأخر تقديم المشروع أثار استياءً واسعاً داخل الأوساط النسائية والحقوقية، وسط مخاوف حقيقية من إفراغ الورش من محتواه

بقلم: خديجة الكور، رئيسة منظمة النساء الحركيات

لا تقتصر أهمية قوانين الأسرة على تنظيم العلاقات داخل البيت، بل تمتد إلى عمق المجتمع، إذ تكشف عن طبيعة النظام القائم، ومدى التزامه بمبادئ العدالة والكرامة والمساواة. فالقانون الذي يهمّش النساء في الولاية، أو يشرعن الزواج بالإكراه، أو يفتح باب التعدد دون قيود، ليس مجرد نص تشريعي، بل هو مرآة تعكس اختلالات بنيوية تُعيد إنتاج التمييز واللاعدالة.

ومن هذا المنطلق، أضحى إصلاح مدونة الأسرة مؤشراً جوهرياً على جدية الدول في تنزيل قيم حقوق الإنسان، وترسيخ مقومات الديمقراطية والمواطنة. وفي الحالة المغربية، فإن مدونة الأسرة لا تمثل مجرد نص قانوني، بل تُعدّ ركيزة أساسية في هندسة المجتمع، وأي تعثر في مراجعتها هو تعطيل لمسار التنمية وعرقلة لتحقيق العدالة الاجتماعية.

لقد كان مطلب تعديل مدونة الأسرة حصيلة مسار نضالي طويل، خاضته الجمعيات النسائية والحركة الحقوقية بإصرار وحكمة، مدفوعة بإيمان عميق بأن النهوض بوضع المرأة هو شرط أساسي لبناء مجتمع متوازن. ومنذ البداية، لم يكن هذا المطلب تعبيراً عن نزعة نخبوية أو ترفاً حقوقياً، بل جاء استجابة لحاجات ملحّة، ولمعاناة يومية عاشتها آلاف النساء داخل مؤسسة الزواج وخارجها.

وجعل جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، من إصلاح وضعية الأسرة المغربية – وفي صلبها المرأة – أولوية ثابتة ضمن مشروعه المجتمعي الحداثي. ولم يقتصر دوره على التوجيه، بل حرص على إطلاق آليات عملية، من أبرزها تشكيل لجان ملكية للإصلاح، وضمان مشاركة نسائية وازنة، وفتح المجال أمام نقاش مؤسساتي ومجتمعي واسع، بما يعزز التملك الجماعي لهذا الورش.

وقد مرّ مسار إصلاح قوانين الأسرة في المغرب بثلاث محطات مفصلية. أولها سنة 1958 حين صدر قانون الأحوال الشخصية، في سياق محافظ ظل فيه الاجتهاد التقليدي هو المرجعية. فجاء النص مشبعًا بروح ذكورية، تعيد إنتاج دونية النساء داخل الأسرة، من خلال تكريس سلطة الولي، وتعدد الزوجات، وإضعاف حقوق النساء في الطلاق والحضانة.

ثم جاءت سنة 2004 لحظة تحول كبرى، عقب إعلان ملكي حاسم سنة 2003 بإطلاق إصلاح عميق للمدونة. وقد حملت هذه الأخيرة في طياتها تعديلات جوهرية، أبرزها اعتبار المدونة قانونًا مدنيًا يُرجع الحسم فيه إلى القضاء، ورفع سن الزواج إلى 18 سنة، وتقييد التعدد بشروط صارمة، وإسناد الطلاق إلى القضاء، والاعتراف بالمسؤولية المشتركة داخل الأسرة.

ورغم ما مثلته هذه المدونة من قفزة نوعية، فقد وُوجهت منذ البداية بجدل حاد بين المحافظين الذين اعتبروها تهديداً للثوابت، والتقدميين الذين رأوا فيها خطوة غير مكتملة نحو المساواة الفعلية. وقد بلغ هذا الجدل ذروته مع تنظيم مسيرتين في الرباط سنة 2000، .

لكن بعد عقدين من الإصدار، تكشف الأرقام الرسمية عن عثرات كبرى في التطبيق. فقد تضاعف زواج القاصرات من 18,341 سنة 2004 إلى أكثر من 39,000 سنة 2011، واستمر القضاء في الموافقة على 85% من طلبات الزواج دون السن القانوني. كما لا تزال تسجل أكثر من 1,100 حالة تعدد سنوياً، بينما تجاوز عدد حالات الطلاق 100,000 سنوياً، معظمها بسبب “التطليق للشقاق”. ولا تزال آلاف النساء يُغادرن الحياة الزوجية دون حماية مادية، في ظل ضعف تفعيل مبدأ اقتسام الممتلكات وصندوق التكافل العائلي.

في خطاب العرش بتاريخ 30 يوليو 2022، دعا جلالة الملك إلى مراجعة شاملة للمدونة، تُراعي مقاصد الشريعة في ضوء التحولات المجتمعية، وتنفتح على اجتهادات العصر في إطار توافق وطني. وقد تفاعلت المؤسسات مع هذا التوجيه بتشكيل لجنة وزارية ثلاثية، ضمت وزارة العدل، ورئاسة النيابة العامة، ووزارة الأوقاف، إلى جانب المجلس الوطني لحقوق الإنسان والوزارة المكلفة بحقوق المرأة.

وفي سابقة نوعية، أُطلقت مشاورات وطنية موسعة مع القوى السياسية والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني، لتشكيل تصور تشاركي ومتكامل للإصلاح.

وقد قدّم المجلس العلمي الأعلى رأيه الرسمي بطلب من اللجنة المكلفة، من خلال مذكرة اجتهادية تناولت عدداً من القضايا الخلافية. وقد عبّر فيها عن انفتاحه على بعض التعديلات، من قبيل إسناد الولاية القانونية للأم، والاعتراف بحق المرأة الكافلة، واعتماد الخبرة الجينية في إثبات النسب، وتعزيز سلطة القاضي في حماية مصلحة الطفل. وفي المقابل، أبدى تحفّظاً واضحاً إزاء مقترحات أخرى، مثل المساواة في الإرث والإلغاء التام للتعدد، معتبراً أن هذه المسائل ذات طابع فقهي مركّب، وتستدعي اجتهاداً جماعياً وتوافقاً مجتمعياً واسعاً يراعي خصوصية المرجعية الإسلامية والهوية الوطنية.

في فبراير 2024، تم الإعلان عن تشكيل لجنة حكومية لصياغة النسخة النهائية لمشروع الإصلاح، وكان من المرتقب عرضها خلال الدورة الربيعية. إلا أن تأخر تقديم المشروع أثار استياءً واسعاً داخل الأوساط النسائية والحقوقية، وسط مخاوف حقيقية من إفراغ الورش من محتواه، أو التراجع عن مكاسبه تحت ضغط التوازنات.

في هذا السياق، كشفت بعض المعطيات المتداولة بخصوص مضامين المسودة الأولية لمشروع تعديل مدونة الأسرة، عن توجه نحو إدخال تعديلات نوعية، تستجيب لجزء مهم من المطالب الحقوقية والنسائية، من بينها: تقنين الولاية المشتركة بين الأبوين، وتوسيع حالات إثبات النسب لتشمل الوسائل العلمية الحديثة، وإلغاء الإذن بالتعدد في حال عدم وجود مبررات استثنائية قاهرة، وتقليص مجال زواج القاصرات عبر تشديد شروط الاستثناء القضائي. كما تتجه المسودة نحو تعزيز آليات حماية النساء في حالة الطلاق، من خلال تفعيل إلزامي لنظام اقتسام الممتلكات المكتسبة أثناء الزواج، وتقوية صلاحيات قاضي الأسرة في مراقبة تنفيذ الالتزامات المالية بعد الطلاق، مع توسيع دور النيابة العامة في تتبع قضايا الأسرة التي تمس بحقوق الأطفال والنساء. وقد اعتُبرت هذه المستجدات، في حال اعتمادها، نقلة نوعية في اتجاه تقوية الحماية القانونية لأفراد الأسرة، وخاصة النساء والأطفال، وتكريس مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، بما ينسجم مع الدستور المغربي والتزامات المملكة الدولية.

وزاد من تعقيد المشهد تسريب مضامين غير رسمية من المشروع، ما فجّر موجة من الجدل الرقمي، وفتح الباب أمام شهادات نساء عانين من غياب الحماية القانونية، وأطلق حملات تضامنية واسعة، تطالب بالإسراع في اعتماد المدونة الجديدة، مع ضمان الحفاظ على روحها الحقوقية والإنسانية.

إن مدونة الأسرة ليست مجرد وثيقة قانونية، بل هي عنوان لما نريده من مجتمعنا: هل نريده عادلاً؟ منصفاً؟ راعياً للنساء والأطفال؟ أم نريده أن يظل سجين مفاهيم تجاوزها الواقع والزمن؟
وكل تأخر في إخراج المدونة من رف الانتظار، هو تأخر في تحقيق العدالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى