الرئيسيةمنوعاتميديا

الفنانة المغربية اليهودية فانيسا بالوما إلباز ..تكشف أسرار أغاني نساء الجالية اليهودية في شمال المغرب

تستكشف فانيسا بالوما إلباز ، المتخصصة في الموسيقى السفاردية والمغنية وعازفة القيثارة، في هذا الحوار الذي أجراه معها موقع “تايمز أوف اسرائيل” عادات الجاليات اليهودية المغربية ، منذ طرد اليهود من إسبانيا في عام 1492 وحتى يومنا هذا

فانيسا بالوما إلباز، المتخصصة في الموسيقى السفاردية والمغنية وعازفة القيثارة، هي باحثة مشاركة في مشروع “اللقاءات الموسيقية السابقة والحالية عبر مضيق جبل طارق” في كلية الموسيقى بجامعة كامبريدج، بتمويل من مفوضية الأبحاث الأوروبية (ERC)، وهي أيضا مديرة “خويا- الأرشيف الصوتي اليهودي المغربي”. أكملت رسالة الدكتوراه في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO ، فرنسا)، وتركز في أطروحة الدكتوراه على أغاني النساء اليهوديات في شمال المغرب. في هذه المقابلة، تقدم لنا بعض النقاط البارزة من عملها التالي (أغاني النساء اليهوديات في شمال المغرب: دور حيوي لمرجع منسي) الذي سيصدر في عام 2021.

تايمز أوف إسرائيل: لديك اهتمام منذ فترة طويلة بالمؤلفات السفاردية بشكل عام وأغاني النساء اليهوديات في شمال المغرب بشكل خاص. من أين أتى ذلك؟

فانيسا بالوما إلباز: تمثل المؤلفات السفاردية مخزونا رائعا للذاكرة الجماعية، وتشكل ترانيم النساء في “الحاكيتية” (مزيج من اللهجة الإسبانية والعبرية التوراتية والعربية المغربية في العصور الوسطى) ثروة من المعرفة بتقاليد وعادات هذه الجاليات اليهودية المغربية ، منذ طرد اليهود من إسبانيا عام 1492 وحتى يومنا هذا.

هذه “الكانسيونيرو” (مجموعة من القصائد الملحمية والأغاني عن دورة الحياة والأغاني الساخرة) من التقاليد الشفوية، تضم بعض النصوص التي يزيد عمرها عن 500 عام وأخرى كُتبت في المغرب في القرنين التاسع عشر والعشرين، ولا تزال تحتل مكانة مهمة في إرث هوية المجتمعات اليهودية في شمال المغرب، على الرغم من أنها تكاد تكون منسية في ممارساتهم في القرن الحادي والعشرين.

أخيرا، أثرت جذور عائلتي أيضا على هذا الاختيار الذي قمت به في عام 1996 بعد حصولي على درجة الماجستير في أناشيد العصور الوسطى، من معهد الموسيقى المبكرة بجامعة إنديانا في الولايات المتحدة.

أنت أمريكية كولومبية. ما هو تاريخ عائلتك؟

تعود جذورنا السفاردية إلى أكثر من خمسة قرون. احتفظت والدتي دائما بصورة مرسوم طرد أسلافها، الصادر عام 1492 من قبل الملكين الكاثوليكيين إيزابيلا من قشتالة وفرديناند من أراغون، بعد استعادة غرناطة. يذكرنا القدر أحيانا بأصولنا. ولدت في ولاية جورجيا جنوب شرق الولايات المتحدة. عندما كان عمري ثمانية أشهر، قرر والداي الانتقال إلى بوغوتا. كما اتضح، كولومبيا هي البلد الذي هاجر فيه أجداد أجداد أمي من تطوان بعد عام 1860. تعتبر هذه المدينة الواقعة في الريف الغربي أكثر المدن أندلسية في المغرب. خلال فترة ازدهارها، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كان هيكلها الديموغرافي يتألف بشكل أساسي من المسلمين الموريسكيين واليهود السفارديم. بدأت الهجرة اليهودية المغربية إلى أمريكا الجنوبية حوالي عام 1850 لأسباب سياسية واقتصادية. كان من الأسهل على التجار، على سبيل المثال، تطوير أعمالهم هناك مما كان عليه الحال في تطوان، التي كانت تشهد تراجعا تجاريا منذ أوائل القرن التاسع عشر، لصالح موانئ طنجة ووهران وجبل طارق. بالإضافة إلى ذلك، كان من الممكن للمرأة اليهودية أن تهاجر بين فبراير 1860 ومايو 1862، أثناء احتلال الإسبان لتطوان لمدة 27 شهرا، قبل أن تفرض الحكومة الشريفية ضريبة خروج عالية جدا على النساء اليهوديات. تم اتخاذ هذا الإجراء من أجل الحفاظ على العائلات اليهودية في المغرب، لأنه جعل من هجرة عائلات بأكملها أمرا باهظ التكاليف. استقر أسلافي في كولومبيا، واختارت عائلات أخرى البرازيل أو الأرجنتين أو فنزويلا. كان كل هؤلاء المهاجرين الجدد تقريبا من مجتمعات تطوان، ولكن أيضا من العرائش والقصر الكبير. كونهم يتحدثون الإسبانية سهّل إلى حد كبير اندماجهم في المجتمعات المضيفة.

أنت أيضا مغنية وعازفة قيثارة. كيف انجذبت لموسيقى القرون الوسطى؟

كان والدي عالم أنثروبولوجيا وأمي فنانة، وكانا ناشطين في مجال الحقوق المدنية. خلفياتهما أثرت في نفسي وغذت حبي للتنوع، حيث أننا كنا كثيري التنقل، فقد أصبحت الموسيقى في وقت مبكر جدا بالنسبة لي المنزل الدائم الذي يمكنني حمله معي في كل مكان.

بدأت الغناء في جوقة في بورتوريكو عندما بلغت السادسة من عمري. عندما كان عمري 17 عاما، أثناء دراستي في جامعة الأنديز في بوغوتا، عزفت أستاذة تاريخ الموسيقى لدينا أغنية من القرون الوسطى حول الحملة الصليبية الألبيجينية (1209-1229) ضد “بدعة الكاثار”. وذكرت على وجه الخصوص الأمر سيئ السمعة الذي أصدره أرنود أماوري، مندوب البابا ، قبل نهب بيزييه: “اقتلهم جميعا، سيتعرف الله على أتباعه”. أتذكر أن هذه الأغنية أثرت بي خلال نشأتي في سلام كيهودية في بلد كاثوليكي للغاية.

في الوقت نفسه، ازدهر الفكر القبالي في جنوب فرنسا، كما أن التصوف اليهودي وارتباطاته بالموسيقى السفاردية التقليدية هو أيضا واحد من موضوعاتي المفضلة. عندما أدركت، بعد دراساتي الموسيقية في العصور الوسطى، أن الشعر والموسيقى والجغرافيا والروحانية موجودة في وقت واحد في هذه المنطقة، اندهشت لأنني تابعتها جميعا كمراكز اهتمام منفصلة، دون أن أعرف أنها جاءت من نفس المنطقة ونفس الفترة الزمنية. أخيرا، تجدر الإشارة إلى أنه في العصور الوسطى، اندمجت الموسيقى والشعر والروحانية، مما أعطى قوة فريدة وجمالا لأغاني هذه الفترة. من كل هذه العناصر معا ولد شغفي بموسيقى القرون الوسطى.

عن ماذا تتحدث أغاني نساء المغرب، الرومانسيات؟

هذه المجموعات الشفوية الملونة للغاية، التي تم جلبها من قشتالة، مليئة بالرموز والعناصر حول الحياة اليومية ومصير المجتمعات اليهودية في شبه الجزيرة الأيبيرية. يتحدث بعضها عن الحنين إلى الأندلس، ومأساة محاكم التفتيش، والقصة المفجعة لعائلة مارانوس وألم الاقتلاع.

ويستحضر بعضها الآخر ضمنيا العلاقات بين اليهود والمسلمين في الأندلس الإسلامية، من كل ما نتج عن هذه القرون السبعة من التعايش، بعض الحلقات المشرقة، ولكن أيضا بعض الحلقات الأكثر قتامة. تمزج بعض الأغاني بين المقدسات والدنس، مثل تلك المستوحاة من أغنية الأغاني “سالومون”. تتحدث الروايات أيضا عن مشاعر الشباب، أو آلام القلب، الأزواج غير المخلصين، أو حتى الزوجات الغيورات والأزواج المتملكين. كانت هذه طريقة شعرية ودقيقة لغرس حقوق وواجبات الفتيات اليهوديات كأمهات وزوجات في المستقبل، وهي نوع من “التوراة للنساء”

إذن لهذه الأغاني النسائية دور آخر عدا كونها مسلية؟

بالفعل! خلال بحثي، حددت تسع فئات من الأغاني في هذا المرجع، اعتمادا على السياقات والأوقات وأماكن الأداء. يتم استخدام كل فئة وفقا لوظيفة الطقوس المحددة والصارمة للمجتمع. وتجدر الإشارة إلى أن المرأة اليهودية الإسبانية في شمال المغرب تعتبر ركيزة قداسة المجتمع ونقله واستمراريته. لذلك، يتم تخصيص مكانة مهيمنة للنساء في التسلسل الهرمي للسلطة غير الرسمية، ولكن في إطار المعايير الاجتماعية الصارمة المفروضة على عاداتهن وحياتهن الجنسية، والتي تسيطر فيها النساء الأكبر سنا على النساء الأصغر سنا ويتم تطبيعها بالحاجة إلى الحفاظ على النسب الأبوي.

تعمل هذه الأغاني النسائية أيضا كأساس لهوية المجتمع اليهودي الذي يستخدمه كحصن ضد الانصهار. وهكذا، حافظت أصوات النساء اليهوديات-الإسبانيات على نفسها من مجموعة من الثقافات المختلفة التي كانت على اتصال بها، على الرغم من أنها تضم ​​عناصر من هذه الثقافات ذاتها، سواء كانت مسلمة أو مسيحية. هذا التوازن بين العناصر الثقافية الداخلية والخارجية مكّن من الجمع بين مرونة الهوية اليهودية الإسبانية وهرميتية جوهر المجتمع.

قولين أن مؤلفات السفارديم لا تزال موجودة اليوم بفضل “نوتشي دي بربريسكا” (Noche de Berberisca )؟

Noche de Berberisca (ليلة البربر)، والمعروفة أيضا بإسم “نوتشي دي بانيوس” (Noche de paños – ليلة الأقمشة) أو ليلة الحناء، هي احتفال طقسي للخصوبة والقداسة.

إنها عرف نمطي لليهود من شمال المغرب (تطوان وطنجة والعرائش والقصر الكبير)، والذي يُفترض أنهم جلبوه معهم من شبه الجزيرة الأيبيرية.

يتضمن هذا الاحتفال الملون الذي يتم تنظيمه عشية الزفاف، يوم الثلاثاء عادة، اليوم الذي خلق فيه الشمس والقمر وتوحد المذكر والمؤنث في سفر التكوين العبري، الأغاني الشعبية وحلوى “اليويو” والوجبات الدسمة.

تجتمع عائلتي العروسان معا للاحتفال بقداسة وخصوبة العروس، كرمز حي لـ”عتس حاييم” ، شجرة الحياة المذكورة في التوراة. يغني كبار السن وأبرز الأشخاص بركاتهم ومديحهم للعروس المستقبلية، خلال موكب شبيه بموكب “سفر التوراة” يوم “سمحات توراة”، ثم يتم تتويجها على “التالامون”، مرتدية ثوب “تراخي دي بربريسكا” الفاخر.

ما هي الرموز التي يحملها هذا الفستان الذي يتم ارتداؤه قبل الزواج؟

يصور فستان “تراخي دي بربريسكا” العروس باعتبارها “سفر التوراة”، ويجسد التقاليد، والحياة ، والخصوبة، والطهارة (نقاء الطقوس) والقداسة. إنه فستان طويل من المخمل، أحمر أو أخضر أو ​​بنفسجي غامق، مزين بأكمام من الحرير، مطرز بخيوط ذهبية. التاج مزين بالأحجار الكريمة واللآلئ اللامعة. من المفترض أن فخامة هذا القفطان وعظمته مستوحاة من بلاط الخلفاء الأندلسيين في العصور الوسطى. الاسم الأكثر شيوعا الذي يُطلق عليه في المغرب هو “كسوة لكبيرا” (الفستان الكبير)، وباللهجة الحاكيتية “تراخي دي بربريسكا”. التنورة (أو زلطيطة) تكون ملفوفة حول الخصر مثل لفائف التوراة.

التاج، أحد القطع العديدة التي تشكل هذا الزي الاحتفالي المعقد، مصنوع من 613 خرزة قديمة، من المفترض أنها تمثل 613 “ميتسفوت” (وصايا التوراة).

تعكس ألوان الفستان مدن المغرب التي وجد فيها “الميغوراشيم” (اليهود الذين طُردوا من إسبانيا) ملجأ: البنفسجي على سبيل المثال خاص بتطوان، والأخضر يُلبس في المدن الداخلية مثل شفشاون ، بينما الأحمر يقتصر على المدن الساحلية مثل الرباط أو سلا.

هذا الثوب ذو قيمة مالية كبيرة، يقدمه الأب إلى الابنة الكبرى مع مهرها، أو يقرض لجميع عرائس الأسرة كتعبير عن ارتباطهن القبلي. بمجرد الزواج، استمرت بعض النساء في ارتدائه في الأعياد الرئيسية في التقويم العبري، أو للاحتفالات العائلية المهمة مثل “بريت ميلا” (حفل الختان)، أو لاستقبال أشخاص من الحكومة الملكية أو دبلوماسيين أجانب، حتى منتصف القرن العشرين.

خلال السنوات العشر التي قضيتها في المغرب، عملت بشكل وثيق مع موسيقيين ومغنيين مسلمين. هل هناك طرق مختلفة للغناء أو العزف من مجتمع إلى آخر؟

في عام 2014، بدأت مشروع مكتبة الصوت “خويا” لجمع أرشيفات صوتية من المغرب اليهودي. الخويا، التي تعني “أخي” باللهجة المغربية و “الجوهرة” بالإسبانية، تذكرنا بأن هذا التراث ملك لجميع المغاربة، بغض النظر عن عرقهم ومعتقدهم.

لقد أثر اليهود والمسلمون، مثل العرب والبربر، على بعضهم البعض، سواء في الموسيقى أو الغناء أو الحرف أو فن الطهو أو في التقاليد والمعتقدات. إن التأثيرات بين المجتمعات المحلية هي أنه بصرف النظر عن أغاني العبادة والطقوس الدينية، غالبًا ما يكون من الصعب التمييز في أي منها نشأت الإسهامات والتفسيرات.

لقد مر عامان منذ أن غادرت المغرب إلى إنجلترا. اليوم، لا يزال أقل من 2000 يهودي – معظمهم من كبار السن – يعيشون في المملكة. هل تعتقدين أنه في غضون 30 أو 50 عاما، سيتبقى شيء من هذا الوجود البالغ من العمر ألفي عام؟

نعم، أعتقد أنه سيكون هناك دائما نواة من اليهود، مهما كانت صغيرة، الذين سيستمرون بالعيش في المغرب ليس فقط لأنه لا تزال هناك عائلات شابة تعيش هناك، ولكن أيضا بسبب الأشخاص، الذين كان أسلافهم مغاربة ويعودون للإستقرار في المغرب.

علاوة على ذلك، في صفوف الجالية المغاربة، يدرك العديد من اليهود ثراء تراثهم الثقافي، كما يتضح من نجاح الحفلات الموسيقية للموسيقى اليهودية الأندلسية أو موسيقى الشغوري المغربية (الموسيقى الحضرية الشعبية) في إسرائيل وكندا وفرنسا.

إلى جانب ذلك، بدأ المغاربة اليهود وغير اليهود في الوقت الحاضر في التعاون لإبراز الجانب اليهودي في التاريخ والثقافة المغربية. ومع ذلك، فإن إحدى الأولويات القصوى ستكون تضمين تاريخ اليهود المغاربة في الكتب المدرسية في جميع أنحاء البلاد، وعندها فقط ستنتشر رسالة التنوع والتعايش بشكل كبير بين عامة السكان.

يسقط جدار الخوف والجهل بمعرفة الآخر. بغض النظر عما نفعله، أو أين نذهب، فنحن دائما على اتصال بجذورنا. إن جعل هذا الأمر عبئا أو ثروة متروك لكل واحد منا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى