الرئيسيةتربية

ارساء مهن تربوية متجددة والتدبير الناجع للموارد البشرية ركيزتان أساسيتان لقيادة التغيير وإنجاح ورش إصلاح المدرسة المغربية

أولت مشاريع تنزيل أحكام القانون الإطار51.17المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، أهمية كبيرة لمهن التربية والتكوين والارتقاء بتدبير  الموارد البشرية، باعتبارهما دعامتين اساسيتين لتطوير المنظومة والرفع من أدائها ومردوديتها، وذلك بالنظر لما يشكلهالفاعلون التربويون من إمكان بشري حاسم في إحداث التغيير الذي ينشده الإصلاح التربوي، وعامل مؤثر في مساراته، وكذا المحرك الأساسيللفعل التربوي في مختلف ابعاده المرتبطة بالمهن التربوية، ولاسيما التدريس والتأطير والبحث العلمي والتدبير الإداري والمالي والتوجيه والتفتيش والتخطيط  … إلخ.

ولأن العنصر البشري يعد القلب النابض للإصلاح التربوي من أجل بناء مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء بالفرد والمجتمع، فإن الوزارة تراهن على ثلاث مرتكزات لا محيد عنها لإطلاق دينامية التغيير وإعداد جيل جديد من  الفاعلين التربويين  يتحلون بمواصفات المهنية وما تتطلبه من حب للمهنة وللرسالة التربوية وقيمها ومن تحكيم الكفايات اللازمة والانفتاح على التكنولوجيات الرقمية ومستجدات التربية والتكوين، وتقدير الانتماء إلى المؤسسة وتنمية العمل الجماعي والاجتهاد في ابتكار الحلول والأساليب الجديدة، وتملك الحس النقدي والثقافي وتوظيفه في تطوير  الممارسة المهنية.وتتجلى هذه المرتكزات في: المهننة كشرط لازم لتأهيل الفاعلين التربويين وفق مواصفات وأدوار وقيم مهنية تستجيب لمتطلبات الجودة وانتظارات المجتمع وكذا استقلالية المؤسسة التربوية في التدبير والتكامل بين وظيفتها التربوية وتنمية الحياة المهنية، فضلا عن التقييمالمستمر المندمج لأدائها المتعدد الصيغ والأساليب.  

وهي مرتكزات وبكل موضوعية، بدأنا نتلمس مؤشرات تحقيقها وترجمتها على أرض الواقع ونعاين عن كثب التغيير الذي أحدثته في المدرسة المغربية، منذ الشروع في تنزيل مقتضيات القانون الإطار 51.17، خاصة المشروع رقم 9 المتعلق بتجديد مهن التربية والتكوين والارتقاء بتدبير المسارات المهنية، حيث تم الرفع من نجاعة التكوينالأساس وجعله ممهننا.

وفي هذا السياق، أطلق الوزير سعيد أمزازي سنة 2018 مشروع “مسلك الإجازة في التربية” والذي يعد مشروعا طموحا يهدف إلى الاستجابة للحاجيات الحالية والمستقبلية من الأطر التربويةالكفأة، حيث سعت الوزارة ومن خلال هذا المنظور الجديد للتكوين إلى إرساء إصلاح شامل لمنظومة التكوين الأساس، بتكوين معرفي ومنهجي وبيداغوجي وديداكتيكي، يتمحور حول مجموعة من الأسس؛ أهمها تمكين الطلبة من تكوين في نفس الوقت أكاديمي وتربوي بجودة عالية من أجل تعزيز كفايات هيئة التدريس وبالتالي الارتقاء بجودة التعلمات،  فضلا عن خلق جسور وبرامج عملية للتعاون بين مؤسسات التعليم الجامعي والمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين وتعزيز البحث التربوي بالجامعات المغربية وبهذه المراكز. وقد افتتح هذا المسلك، ابتداء من الموسم الجامعي 2018-2019 في وجه الحاصلين على شهادة البكالوريا في جميع التخصصات والمستوفين لشروط الولوج،ويمتد التكوين به على مدى ثلاث سنوات،يخضع فيها الطلبة لتكوين أكاديمي يرتكز على معارف أكاديمية كعلوم التربية وسيكولوجية التربية وتكنولوجيا المعلومات والتواصل، وكذا وحدات للغة وتدبير المشاريع التربوية والمقاولاتية والتدريب على الانغماس في الوسط التربوي، ويؤهل النجاح في المباراة إلى ولوج المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين وتكوين مهني لمدة سنتين تكوينيتين بها، تتوج بالمصادقة على وحدات التكوين ثم بتدريب مهني في وضعيةتحمل مسؤولية التدريس بالقسم، لمدة سنة كاملة، في إطار تكوينات تطبيقية تنجز بالتناوب بين المؤسسات التعليمية وهذه المراكز.

وفي هذا الإطار، ومن أجل الارتقاء بالتكوين الأساس للأطر التربوية، تم تدقيق وتحيين مجموعة من مجزوءات التكوين بسلك تأهيل هذه الأطر قصد ملاءمتها مع الهندسة الجديدة، وإعداد مجزوءة دعم ومصاحبة بيداغوجية للمشاريع الشخصية للمتعلمين في مجال التوجيه، وكذا إعداد إطار منهجي لتكوين الأساتذة الرؤساء في مجال المواكبة التربوية للمشاريع الشخصية للمتعلمين ومجزوءة للتربية الدامجة، فضلا عن  إعداد مقررات وزارية بتحديد برامج  التكوين  بسلك تحضير مباريات التبريز، و دليل حول إجراءات تدبير التكوين بمسلك تكوين أطر الإدارة التربوية ومساقات حسب الحاجيات، إلى جانب إعداد الإطار المرجعي  للتجديد التربوي.

كما أولت الوزارة الأهمية لإدماج وتعميم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والثقافة الرقمية في التكوين الأساس لفائدة الأطر التربوية، عبر إعداد مجزوءات ومساقات خاصة بهذه التكنولوجية في هذا التكوين، متوفرةعلى منصة التكوين عن بعد « e-takwine »حسب الأسلاك، إلى جانب تكوين الأساتذة المؤطرين بمؤسسات تكوين الأطر، ووفرت شروط نجاح كل هذه التدابير من خلال بنيات تحتية ومراكز تستجيب للحاجيات من التكوين الأساس.

ويظل أحد الأهداف الاستراتيجية للارتقاء بمهن التربية والتكوين، تعزيز وتوسيع مسلك تكوين أطر الإدارة التربوية، عبر تنظيم جديد لهذا المسلك ليمتد التكوين داخله إلى سنتين مع تكثيف التداريب الميدانية لفائدة طلبة سلك تكوين أطر الإدارة التربوية بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، من أجل اكتساب الخبرات والكفاءات اللازمة للقيام بمهامها الإدارية على أحسن وجه.

وتعززت هذه المجهودات، في إطار تفعيل هذا المشروع، ببلورة الاستراتيجية الوطنية للتكوين المستمر لتعزيز قدرات جميع الفئات والهيئات التعليمية على مدى مسارهم المهني، وذلك لملاءمتها مع المستجدات التربوية والبيداغوجية والتكنولوجية وفق مواصفات وأدوار وقيم مهنية تستجيب لمتطلبات الجودة وانتظارات المجتمع، من جهة، ومتطلبات الوضعية الحالية المتعلقة بتداعيات كورونا، من جهة ثانية، حيث بلغ عدد الأطر الإدارية المستفيدة من التكوين المستمر خلال الموسم الدراسي 2019-2020، ما يناهز10آلاف و 399 مستفيدة ومستفيد و11ألف و453 مستفيدة ومستفيد في التكوين عن بعد، كما بلغ عدد الأطر التربوية المستفيدة من هذا التكوين 35 ألف و777، ومن التكوين عن بعد 28 ألف 608 مستفيدة ومستفيد.

ومن إيمانه الراسخ بأن العنصر البشري يشكل الركيزة الأولى لقيادة التغيير وإنجاح ورش إصلاح المنظومة التربوية، خصص قطاع التربية الوطنية المشروع 15 للارتقاء بتدبير الموارد البشرية،والذي يستند إلى موجهات تستهدف تعزيز الحكامة الجيدة في تدبير الموارد البشرية، وكذا إرساء نظام أساسي جديد وفق مقاربة تشاركية مع النقابات التعليمية الأكثر تمثيلية يقوم على مبادئ العدل والإنصاف وتكافؤ الفرص والارتقاءبتدبير المسارات المهنية لجميع مكونات المنظومة التربوية ووضع منظومة لتقييم الأداء المهني وربطها بالارتقاء بالمسار المهني والوظيفي، إلى جانب استكمال إرساء اللامركزية الفعلية في مجال تدبير الموارد البشرية وتجويد وترشيد تدبير العنصر البشري وتحفيزه وكذا تعزيز استقلالية الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين في تدبير مواردها البشرية، وإرساء نظام معلوماتي ناجع لتدبير هذه الموارد،ومواكبتها بالتأطير والتأهيل من خلال وضع برامج سنوية لتقوية قدراتها التدبيرية وجعلها تتوفر على الأطر المؤهلة لتنزيل مشارع إصلاح منظومة التربية والتكوين.

كما يقوم هذا المشروع على ترسيخ ثقافة الواجب المهني والمردودية، واعتبار الشروط النظاميةوالتكوين الأساس والمعايير والمؤهلات التي يتم تحديديها في دلائل مرجعية مداخل أساسية ولازمة لولوج مهن التدريس والتكوين والتأطير والتدبير والتفتيش، إلى جانب اعتماد الكفاءةوالاستحقاق في تولي المسؤوليات التربوية والتنسيقية والتأطيرية، واعتماد التدبير الجهوي للموارد البشرية من خلال أجرأة الميثاق الوطني للاتمركز الإداري وتنمية الكفايات المهنية لمدبري الموارد البشرية، وكذا استكمال تفويض الاختصاصات للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين وإرساء آليات للتعاقد بين الإدارة المركزية والأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية وتمكين الأكاديميات من مواردها البشرية ومن الاستقلالية في تدبيرها وضمان توزيع هذه الموارد بما يحقق العدالة المجالية، عبر التوظيف الجهوي  والذي مكن من تغطية الخصاص في أطر التدريس، حيث مكن هذا النمط من التوظيف، الذي تم الشروع فيه أواخر سنة 2016، من توظيفِ أكثر من 100 ألف من أطر التدريس في ظرف 5 سنوات، وهو ما يعادل إجمالي ما كان يتم توظيفه في السابق في أكثر من 20 سنة، حيْث لم تتجاوز المناصب المالية المدرجة بقوانين المالية سقف 3000 أو 5000 منصب مالي في السابق. كما سمح هذا النمط من التوظيف بتحقيق العدالة المجالية في تقديم الخدمة التعليمية لأطفالنا خاصة في العالم القروي ولاستفادة الفتاة القروية على وجه الخصوصِ من حقها في التمدرس.

وبهدف تمكين المؤسسات التعليمية من القيام بوظائفها كاملة والارتقاء بالخدمات التي تقدمها، قامت الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوينبتوظيف 2000 من أطر الدعم التربوي والإداريوالاجتماعي، بمؤسسات التربية والتعليم من أجل أن تتمكن من تنزيل مشاريع إصلاح المنظومة التربوية.

كما يعمل القطاع تنزيلا لمقتضيات القانون الإطار 51.17 على إعداد ميثاق أخلاقيات مهن التربية والتكوين، فضلا عن تجويد المنظومة الحالية للحركات الانتقالية وإعادة الانتشار وإرساء نظام معلوماتي ناجع مندمج لتدبيرالموارد البشرية، مع وضع نظام لتحفيز وتشجيع الأطر التربوية والإدارية العاملة بالأوساط القروية والمناطق ذات الخصاص.

لقد أصبح جليا أن قطاع التربية الوطنية يخطو بخطوات ثابتة نحو إرساء مهن متجددة تعزز وظيفة المدرسة المغربية وتجعلها تستجيب لمتطلبات مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء بالفرد والمجتمع. ورغم كل هذه الجهود المبذولة، والتي أبانت عن الأهمية التي يوليها القطاع للاستثمار في الموارد البشرية باعتباره أساس التغيير الذي تنشده المدرسة المغربية، فلا زال أمامه تحديات كبرى تقتضي مزيدا من التعبئة المجتمعية والانخراط في هذا الورش الوطني الاستراتيجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى