
خاص/الدارالبيضاء
في مدينة الدار البيضاء، حيث تتقاطع حيوية الحاضر مع أسئلة الصحة والكرامة الإنسانية، تستعد الجمعية المغربية لدعم النساء المصابات ببطانة الرحم الهاجرة (AMSFAE) لفتح مساحة مختلفة عن المعتاد؛ مساحة لا تُختزل في الندوات الطبية ولا في الفحوصات المجانية، بل تمتد لتصبح حكاية جماعية عن نساء يواجهن مرضًا ظل طويلًا في الظل، وعن أطباء وطبيبات وفاعلين مدنيين قرروا أن يكونوا في صفهن.
على مدى يومي 19 و20 يونيو 2026، تتحول دار الشباب ليساسفة العليا، التابعة لعمالة مقاطعة الحي الحسني، إلى فضاء نابض بالحوار والمعرفة، حيث يلتقي العلم بالإنصات، والطب بالوعي، تحت شعار يختزل الكثير: «التشخيص المبكر والعلاجات المبتكرة… لتحسين جودة حياة النساء».
حين يصبح الطب فعل إنصات قبل أن يكون علاجًا
في مساء الجمعة، لا تبدو الندوة العلمية مجرد برنامج تقني، بل أشبه بموعد مع أسئلة مؤجلة. أطباء وطبيبات يقدّمون قراءة دقيقة لمرض بطانة الرحم الهاجرة: أعراضه، تأثيره على الخصوبة، وأثره العميق على جودة الحياة اليومية للنساء، لكن خلف المصطلحات الطبية هناك اعتراف غير معلن: أن كثيرًا من النساء عشن سنوات بين الألم والتأويل الخاطئ والتأخر في التشخيص.
تتوالى المداخلات، من الحديث عن التشخيص والعلاج التقليدي، إلى الجراحة الروبوتية والذكاء الاصطناعي، وكأن الطب نفسه يعيد تعريف أدواته كي يقترب أكثر من المريضات. وفي زاوية أخرى من القاعة، يظل البعد الإنساني حاضرًا بقوة: كيف يمكن لمرض لا يُرى بالعين أن يغيّر تفاصيل الحياة بالكامل؟
وجوه مدنية في قلب المعركة
ما يمنح هذا اللقاء طابعه المختلف ليس فقط تعدد التخصصات الطبية، بل أيضًا حضور الفعالية المدنية. فبين المداخلات العلمية، تُطرح أسئلة المجتمع: لماذا يبقى الألم النسائي في كثير من الأحيان صامتًا؟ وكيف يمكن كسر هذا الصمت؟
هنا يظهر دور الفاعلين الاجتماعيين إلى جانب الأطباء، في محاولة لمدّ جسر بين المعرفة الطبية والواقع اليومي للنساء، بين ما يُقال في المستشفى وما يُعاش في البيوت بصمت طويل.
يوم تتقاطع فيه الاستشارة مع الأمل
في اليوم الثاني، يتحول الفضاء نفسه إلى مسار مختلف: يوم طبي تضامني، حيث لا تكون الأسئلة نظرية، بل وجوهًا تنتظر جوابًا مباشرًا. بين الاستشارات المجانية والفحوصات والتوجيه العلاجي، تُفتح نافذة أخرى لفهم المرض بشكل أقرب إلى الحياة اليومية.
ليس الأمر مجرد تشخيص، بل بداية حكايات جديدة، بعضها يُكتب لأول مرة بوعي مختلف، وبعضها يُعاد كتابته بعد سنوات من الألم غير المفسّر.
انتصار هادئ لكنه عميق
تقدّم هذه المبادرة نفسها كأحد التجارب الأولى من نوعها في المغرب، ليس فقط لأنها تجمع بين الطب والتوعية والتكفل، بل لأنها تضع مرض بطانة الرحم الهاجرة في قلب النقاش العمومي، وتمنحه ما كان ينقصه طويلاً: الاعتراف.
وفي خلفية المشهد، يبدو أن الرهان أكبر من حدثٍ عابر. هناك مسار يتشكل تدريجيًا، يمتد من العلاج إلى التوعية، ومن الدعم النفسي إلى التفكير في مقاربات اجتماعية وتشريعية أكثر إنصافًا للنساء اللواتي يعشن مع هذا المرض، بما في ذلك النقاش حول الاعتراف بتداعياته على الحياة اليومية والعمل.
في النهاية، لا يُغلق الحدث كصفحة، بل يُترك مفتوحًا كأثر: أثر أطباء وطبيبات وفاعلين مدنيين قرروا أن يكونوا، ببساطة، إلى جانب النساء المصابات، في مواجهة مرض لا يختبر الجسد فقط، بل يختبر صبر المجتمع على فهم الألم حين لا يُرى.



