
يحلّ عيد العمال هذه السنة في المغرب على إيقاع مختلف، عنوانه العريض ليس الاحتجاج ولا رفع المطالب، بل ما يراه كثيرون لحظة مفصلية في العلاقة بين الحكومة والنقابات. لحظة يختلط فيها “التوافق” بـ“التنازل”، ويطرح فيها سؤال جوهري: من يحمي الحق في الإضراب إذا كانت النقابات نفسها جزءاً من معادلة تمرير القانون؟
في قلب هذا الجدل يقف مشروع قانون الإضراب في المغرب، الذي طال انتظاره لعقود، قبل أن يجد طريقه نحو التفعيل في سياق سياسي واجتماعي حساس. الحكومة، بقيادة عزيز أخنوش، قدمت القانون باعتباره خطوة لتنظيم ممارسة الإضراب وضمان التوازن بين حقوق العمال واستمرارية المرافق الحيوية.
لكن منتقديه يرونه اتجاهاً نحو تقنين مُقيد، قد يحوّل هذا الحق الدستوري إلى مسطرة معقدة محفوفة بالمخاطر القانونية.
اللافت في هذا المسار ليس فقط مضمون القانون، بل السياق الذي مرّ فيه. فالنقابات، التي يفترض أنها خط الدفاع الأول عن العمال، بدت أقل تصعيداً مما كان متوقعاً.
هنا يبرز الاتهام الذي يتردد في أوساط واسعة: هل نحن أمام “توافق اجتماعي” أم “تواطؤ صامت”؟
يربط هذا الطرح بين تمرير قانون الإضراب وتعثر إخراج قانون النقابات في المغرب إلى الوجود.
هذا الأخير، الذي يفترض أن يعيد هيكلة العمل النقابي ويعزز الديمقراطية الداخلية ويفرض مؤتمرات دورية لتجديد القيادات، ظل مؤجلاً.
وفي المقابل، مرّ قانون الإضراب بخطى أسرع، ما يفتح الباب أمام قراءة تعتبر أن هناك نوعاً من المقايضة غير المعلنة: ضبط الشارع مقابل الحفاظ على الوضع القائم داخل التنظيمات النقابية.
واقع الحال يكشف أن جزءاً من القيادات النقابية يواجه انتقادات متزايدة بسبب طول بقائه في مواقع القرار، وضعف التداول على المسؤولية.
ومع غياب قانون ينظم هذا المجال بشكل صارم، يستمر نفس الوجوه في تمثيل العمال، في وقت تتغير فيه طبيعة الشغل وتتسع الفجوة بين القواعد والقيادات.
في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل دافعت النقابات بما يكفي عن الحق في الإضراب، أم أنها فضّلت الحفاظ على توازنات داخلية قديمة؟
وهل يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي لسوق الشغل دون إصلاح موازٍ لبنية العمل النقابي نفسه؟
ما يحدث اليوم ليس مجرد تمرير قانون، بل إعادة رسم لمعادلة القوة بين الدولة والعمال.
وإذا كان تنظيم الإضراب مطلباً مشروعاً، فإن الخطر يكمن في أن يتحول التنظيم إلى تقييد، وأن يتحول الصمت النقابي إلى جزء من المشكلة بدل أن يكون جزءاً من الحل.
بين “التوافق” و“التواطؤ”، تبقى الحقيقة رهينة بما سيكشفه المستقبل: هل سيحمي القانون حق الإضراب، أم سيعيد تعريفه على نحو يفرغه من مضمونه؟
في انتظار الجواب، يبدو أن فاتح ماي هذه السنة يطرح أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة.



