
في قلب موجة الاحتجاجات التي يشهدها المغرب اليوم، يتكرر مطلب بسيط لكنه حاسم: لماذا تُستنزف موارد الدولة وميزانيات الدعم بينما تُحقق مصحات خاصة أرباحًا طائلة دون محاسبة؟ هذا السؤال لم يعد متداولًا في أروقة النقاش فقط، بل صرخات في الشارع بعد أحداث وأزمات صحية كشفت هشاشة المنظومة العمومية.
1. صورة الواقع — تراكم الأرباح بينما ينهار العمومي
خلال السنوات الأخيرة تحول القطاع الصحي الخاص إلى مجال استثماري مربح: مجموعات واستثمارات كبرى تستحوذ على مصحات ومراكز طبية، ترفع أسعار الخدمات وتوسع نطاق الأعمال أحيانًا عبر الاستحواذ.
هذا النمو لم يأتِ فقط من السوق بل ترافق مع قنوات تمويلية ودعم وتسهيلات استثمارية أحيانًا معلنة وأحيانًا خفية. مثال واحد على التوسع والاستحواذ هو نشاط مجموعات مثل CIM Santé التي وسّعت محفظتها عبر عمليات شراء خلال السنوات الأخيرة.
2. دعم مالي يُوقَف أم يُراجع؟ ضبابية السياسات
سجّل مؤخرًا إعلان رسمي من طرف وزير الصحة عن طلب مراجعة أو تعليق بعض أشكال الدعم لقطاع المصحات الخاصة، وهو إقرار ضمّي بوجود مسارات دعم تستحق التقييم.
إعلان مثل هذا يطرح سؤالين بديهيين: ما طبيعة الدعم (قروض ميسّرة؟ إعفاءات ضريبية؟ تحويلات مباشرة؟)، ومن هي الأطراف المستفيدة فعليًا؟ غياب الشفافية حول هذه التدفقات يجعلها عرضة للتحويل إلى أرباح شخصية واستثمارات خارجية.
3. من المال العام إلى حسابات خاصة:
ثِقَة المواطن تتآكل عندما يرى أن أموالًا مخصصة للحماية الاجتماعية أو لتمويل الخدمات تتحول إلى ربح لدى فاعلين يواصلون استثماراتهم خارج البلاد.
تقارير وإعلانات عن شراكات واستثمارات (مثل استثمارات مؤسسات دولية وإقليمية مع مجموعات مغربية في القطاع الصحي) تُظهر وجود رأسمال كبير يتدفق نحو هذا القطاع، ما يثير تساؤلات عن نسبة مردودية هذه الاستثمارات على الولوج المجتمعي للخدمات.
4. تحقيقات ورصد مخاطر الفساد
الجهات الرقابية أطلقت مبادرات لرصد مخاطر الفساد في القطاع الصحي، وهو مؤشر على أن هناك اختلالات يُعترف بوجودها على المستوى الرسمي.
تم تخصيص موارد لدراسات وتقارير تهدف لتحديد نقاط الضعف في مسار التمويل وسلاسل التوريد والخدمات الصحية. لكن الإعلان عن دراسة أو خريطة مخاطر لا يكفي؛ المطلوب متابعة قضائية وإدارية وشفافية في نتائج هذه الدراسات.
5. مصالح مترابطة: تشريعات، ضرائب، ولوبيات
الجمع بين تشريعات مالية تُصاغ بطريقة تخدم فئات محددة، وإعفاءات أو تسهيلات ضريبية، وضعف مساءلة الجهات المشرفة، يخلق بيئة ملائمة لتغوّل مستثمرين قادرين على تحويل الدعم إلى أرباح.
وفي المقابل، يتحمل المواطن طبقات ضرائب مباشرة وغير مباشرة تجعل العبء يتزايد على الفئات الضعيفة والمتوسطة بينما تستفيد فئات رأس المال. هذا الوضع ليس قضية تقنية فحسب بل قضية عدالة اجتماعية وسياسية.
6. عواقب اجتماعية وصحية مباشرة
نتيجة هذا الموازنة للمصالح: تدهورٍ في جودة وكمّ الخدمة العمومية، ضغوط على ميزانيات الضمان الاجتماعي، وارتفاع تكاليف العلاج خارج متناول شريحة واسعة من المواطنين — ما يعرّض حق الصحة لمخاطر تحوّله إلى سلعة.
هذا ما أدّى إلى خروج الشارع والمطالبة بربط الأولويات بضرورة حماية الحق في العلاج لا أرباح المستثمرين.
توصيات جذرية
- الشفافية الفورية: نشر كل برامج الدعم، القروض، الإعفاءات والاتفاقيات بين الدولة والفاعلين الخاصين خلال عقدَيْن الماضيين.
- ربط الدعم بنتائج ملموسة: أي دعم عمومي يجب أن يُشترط بتحسين أسعار الخدمات، حصة طبية لذوي الدخل المحدود، وتقارير أداء علنية دورية.
- تحقيق جاد ومستقل: تحويل نتائج دراسات مخاطر الفساد إلى متابعة قضائية وإدارية، مع حماية المُبلّغين ونشر ملخّصات عامة للنتائج.
- إصلاح الضريبة الصحية والرسوم: مراجعة الإطار الضريبي لمنع التهرب وتحويل الدعم إلى أرباح خالصة، مع فرض ضريبة خاصة على أرباح استثنائية تُعاد للقطاع العمومي.
- ارتقاء القطاع العام: استثمار عاجل في المستشفيات العمومية، توظيف وتوزيع الموارد البشرية بشكل منصف، وضمان اللوجستيك الضروري للحفاظ على ثقة المواطنين.
على سبيل الختم
القضية ليست مجرد انتقاد لقطاع خاص ناجح اقتصادياً، بل تساؤل حول عدالة توزيع الموارد وحماية الحق الأساسي في الصحة.
إذا استمرت السياسات في تغذية تراكم الأرباح الخاصة من مال عام دون مساءلة وشفافية، فستظل الشرائح الواسعة من المواطنين تدفع الثمن — اقتصادياً وصحياً واجتماعياً. الشارع يطالب اليوم بإجابات واضحة، والسلطة مطالبة بإجراءات فورية لإعادة التوازن قبل أن يتحول غضب المواطنين إلى أزمة ثقة لا عودة منها.



