الرئيسيةثقافات وفنون

زكي الهواري.. سبعون عامًا على خشبة الفن، وصوتٌ لا يغيب

بقلم: أحمد سيجلماسي

رحل صباح يوم الإثنين 21 شتنبر 2026 بمدينة الرباط، عن عمر ناهز 90 سنة، الممثل المغربي القدير زكي الهواري، أحد رواد فن التشخيص بالمغرب، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من سبعة عقود، تنقل خلالها بين خشبة المسرح وميكروفون الإذاعة وكاميرات السينما والتلفزيون.

رحل صاحب الصوت الفريد والنبرة المميزة، والفصاحة العالية، والعناية الدقيقة باللغة العربية ومخارج الحروف، تاركًا وراءه رصيدًا فنيًا حافلًا يزيد على مائة مسرحية وملحمة، إلى جانب عشرات الأعمال الإذاعية والتلفزيونية والسينمائية.

وبهذه المناسبة الأليمة، أتقدم إلى أسرته الصغيرة وأسرته الفنية الكبيرة بأحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة، سائلًا المولى عز وجل أن يغفر له ويرحمه ويتغمده بواسع رحمته، وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

وفي ما يلي إطلالة مركزة على جوانب من المسيرة الفنية الطويلة للراحل زكي الهواري، أحد أبناء جيل الرواد الذين بدأت تجاربهم المسرحية قبل استقلال المغرب بسنوات قليلة.

من فاس إلى الرباط.. رحلة بدأت مع الهواية

ولد زكي الهواري بمدينة فاس سنة 1936، حيث ظهرت ميوله إلى فن التشخيص في سن مبكرة، فانخرط في عدد من جمعيات مسرح الهواة بمسقط رأسه، من بينها جمعية أسسها الرائد عزيز السغروشني، أحد قدماء تلاميذ ثانوية مولاي إدريس بفاس خلال عهد الحماية، والذي كان منفتحًا على المسرح وفنون الفرجة، قبل أن يقضي لاحقًا 36 سنة داخل إدارة مسرح محمد الخامس بالرباط، بعد سنوات قليلة من افتتاح هذه المعلمة سنة 1962.

كما انخرط الهواري في جمعية هواة المسرح الوطني، وشارك معها في مسرحية «اليانصيب» خلال موسم 1955-1956، وهي تجربة أخرجت بشكل جماعي.

وبعد سنوات من التمرس في فرق الهواة والاستفادة من التداريب والتجارب الأولى، انتقل زكي الهواري سنة 1956 إلى عالم الاحتراف، حيث التحق بفرقة التمثيل المغربي، التي تحولت فيما بعد إلى فرقة المعمورة، كما اشتغل مع فرقة التمثيل العربي التابعة للإذاعة المغربية، التي تأسست سنة 1949.

وخلال هذه المرحلة شارك في عدد كبير من الأعمال المسرحية، من بينها «إرادة الحياة» من إخراج محمد فراح، و**«وفاء»** و**«مريض خاطرو»** من إخراج بيير مودوي، و**«العنكبوت»** من إخراج فريد بنمبارك، و**«ثمن الحرية»** من إخراج ألبير بوطبول، إضافة إلى «المنافق» من إخراج الطيب الصديقي، و**«المثري النبيل»** من إخراج بيير لوكا، و**«حادة»** من إخراج أحمد الطيب العلج، و**«ملاك الدويرة»** من إخراج فريد بنمبارك، و**«البلغة المسحورة»** من إخراج شارل نوك، ثم «عسيلة» و**«هاملت»** و**«عطيل»** وغيرها من الأعمال التي شكلت صفحات مهمة من تاريخ المسرح المغربي.

وقد جمعته هذه التجربة بأسماء بارزة من جيل الرواد، من ممثلين ومؤلفين ومخرجين وتقنيين، من أمثال أحمد الطيب العلج، وفريد بنمبارك، وحسن الصقلي، والعربي اليعقوبي، ووفاء الهراوي، والعربي الدغمي، والهاشمي بنعمر، وعبد الصمد دينية، والبشير السكيرج، ومحمد سعيد عفيفي، وفاطمة الركراكي، وخديجة جمال، وصفية الزياني، وعائد موهوب، وأحمد العلوي، وحبيبة المدكوري، وسليم برادة، ومحمد حماد الأزرق، وعبد السلام العمراني، وعبد الله العمراني، وعبد القادر مطاع، وحمادي التونسي، وعبد الوهاب الدكالي، والطيب الصديقي، وغيرهم كثير.

ومن بين الأعمال التي حملت توقيعه الفني لاحقًا «الرزق المشروك» و**«كلها يلغي بلغاه»، و«وزير غرناطة»** و**«القوق في الصندوق»**، إلى جانب عشرات المسرحيات والملاحم الأخرى.

حين لا تنصف الشاشة الكبيرة أبناء الخشبة

على الرغم من وقوفه مبكرًا أمام كاميرا السينما في فيلم «إبراهيم» أو «بداية وأمل»، الذي أخرجه جان فليشي وأنتجه المركز السينمائي المغربي، وعُرض ومثل المغرب في مهرجان برلين السينمائي الدولي سنة 1957، فإن الحضور السينمائي الوطني لزكي الهواري ظل محدودًا مقارنة بحجم تجربته وطاقاته في التشخيص.

وشارك الراحل في عدد من الأعمال السينمائية، من بينها «ذراعي أفروديت» سنة 1978، و**«البحث عن زوج امراتي»** لمحمد عبد الرحمان التازي سنة 1993، و**«أصدقاء الأمس»** لحسن بنجلون سنة 1998، وغيرها من الأعمال.

وفي المقابل، شارك زكي الهواري في عدد من الإنتاجات السينمائية والتلفزيونية الأجنبية التي صورت، كليًا أو جزئيًا، بالمغرب، من بينها حلقات من السلسلة الدينية «الإنجيل» خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي.

صوتٌ آخر من العصر الذهبي للإذاعة

كان للراحل حضور لافت في الإذاعة المغربية، ممثلًا ومؤلفًا ومخرجًا، وشارك في عدد كبير من التمثيليات والمسرحيات والمسلسلات الإذاعية التي بثتها الإذاعة الوطنية خلال عصرها الذهبي، من بينها «الأزلية» و**«راس الخيط»** و**«عمارة الرهونية»** وغيرها.

وعمل إلى جانب عدد من رواد التشخيص الإذاعي والمسرحي والتلفزيوني، وفي مقدمتهم الأستاذ عبد الله شقرون، ليشكل بذلك جزءًا من ذاكرة إذاعية وفنية مغربية غنية ما تزال بحاجة إلى المزيد من التوثيق.

أما تلفزيونيًا، فقد ظهر في عدد من الأعمال، من بينها مسلسل «الصمت» سنة 1978، و**«زليخة»** سنة 1981، و**«عائلة السي مربوح»** سنة 2001، و**«علاش أولدي؟»** سنة 2008، و**«غضبة»** سنة 2010، إضافة إلى فيلم «الطريق إلى طنجة» سنة 2012.

محمد الشوبي: «كان في جعبته الكثير لو انتبه له المنتجون»

ومن الشهادات اللافتة في حق الراحل، شهادة الممثل محمد الشوبي، الذي وصف زكي الهواري بأنه فنان راكم تجربة واسعة في مختلف مجالات التشخيص، من المسرح إلى السينما مرورًا بالإذاعة والتلفزيون.

وأبرز الشوبي، في شهادة سابقة له، تمكن الراحل من اللغة العربية، وحرصه على سلامة النطق والإعراب، مشيرًا إلى أنه كان يصحح لزملائه حواراتهم حرصًا على دقة المنطوق.

كما تحدث عن تواضعه وطيبته وأناقته وحضوره الإنساني، معتبرًا أن تجربته الفنية كانت أوسع من المساحات التي أتيحت له على الشاشة، وأنه كان يمتلك الكثير من الإمكانات التي كان يمكن للمنتجين استثمارها.

سبعون عامًا من العطاء.. وذاكرة تحتاج إلى من يحفظها

راكم زكي الهواري تجربة فنية امتدت لأكثر من سبعين عامًا، وقف خلالها على خشبات المسارح، وأمام ميكروفونات الإذاعة، وخلف كاميرات السينما والتلفزيون.

وهي تجربة لا تخص الراحل وحده، بل تشكل جزءًا من الذاكرة الفنية المغربية التي تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى التوثيق والحفظ والدراسة.

لقد رحل عدد كبير من رواد الفن المغربي، فيما لا تزال معلومات كثيرة عن مساراتهم وأعمالهم متناثرة بين الوثائق الشخصية، وأرشيف الصحافة، وذاكرة زملائهم، وبعض الإصدارات المتفرقة.

حتى تاريخ ميلاد الراحل زكي الهواري لم يكن حاضرًا بشكل واضح في كثير مما نشر عنه من تعازٍ ومواد بعد رحيله، ولولا العثور على نسخة من «دليل السينما والسمعي البصري المغربي» لإريك هولسن، الصادرة في موسم 1998-1999، لما أمكن العثور بسهولة على صورة محترمة له وعلى سنة ميلاده.

وهنا يبرز سؤال مشروع: هل آن الأوان لإعداد موسوعة أو دليل وطني شامل يوثق لمسارات الممثلين والمخرجين والكتاب والتقنيين وسائر العاملين في السينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون بالمغرب؟

إن توثيق ذاكرة الرواد ليس ترفًا ثقافيًا، بل هو حفظ لجزء من الذاكرة الجماعية للمغرب.

رحم الله الفنان القدير زكي الهواري، الذي عاش للفن وأعطاه أكثر من سبعين عامًا من عمره.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى