الرئيسيةالمجتمعمقالات الرأي

في خاطر “الجيران”.. بين ليلٍ يصفق لخسارة مباراة في كرة القدم وصباحٍ يقف في الطابور

ليست كرة القدم في ذاتها هي المشكلة، ولا الفرح ولا الحزن على نتائج المباريات أمرًا مستهجنًا.

المشكلة تبدأ حين يتحول الحدث العابر إلى ملاذ نفسي جماعي، يُغطي على واقع مثقل بالأزمات، ويمنح شعورًا زائفًا بالانتصار أو الشماتة، بينما تبقى الأسئلة الحقيقية مؤجلة إلى صباح اليوم التالي.

يفرحون ليلًا بخسارة مباراة كروية، يطلقون التعليقات، يتبادلون السخرية، ويتصرفون وكأن ميزان العدالة قد استقام أخيرًا.

لكن مع أول ضوء للصباح، تتبدد نشوة الانتصار الوهمي، ويعود الجميع إلى واقع لا يرحم: طوابير الزيت، انتظار الحليب، وأسئلة المعيشة التي لا يغيرها هدف ضائع ولا حكم أخطأ في صافرة.

هذا التناقض الصارخ يكشف أزمة أعمق من مجرد شغف رياضي. إنه تعبير عن حالة اجتماعية تبحث عن أي متنفس للهروب من الإحباط اليومي. حين يعجز الفرد عن التأثير في واقعه الاقتصادي والاجتماعي، يصبح الفرح بخسارة الآخر تعويضًا نفسيًا مؤقتًا، وانتصارًا بلا ثمن ولا مسؤولية.

الخطير في الأمر أن هذا السلوك يطبع مع الزمن، فيتحول من رد فعل عابر إلى ثقافة عامة: ثقافة تُضخم الهامش وتُهمّش الجوهر، تُشعل النقاش حول مباراة وتُطفئه حول الماء والتعليم، والصحة، والكرامة الاجتماعية.

كأن المجتمع يوافق ضمنيًا على تأجيل مطالبه الحقيقية مقابل جرعة يومية من الترفيه والانفعال.

ليس المطلوب إلغاء كرة القدم ولا تجريم الفرح، بل إعادة ترتيب سلم الأولويات. الفرح الحقيقي لا يُقاس بخسارة فريق ولا بانكسار خصم، بل بقدرة المواطن على العيش بكرامة دون طوابير، ودون قلق من أساسيات الحياة.

أما الفرح الذي ينتهي عند أول صباح، فهو مجرد ضجيج ليلي لا يغير شيئًا من واقع الصباح القاسي.

بين ليلٍ يصفق للخسارة وصباحٍ يقف في الطابور، سؤال واحد يظل معلقًا: متى نفرح بما ينفعنا حقًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى