السياسة

انتصار خطاب الأرقام وسقوط اللغو: قراءة في تفاعل المعارضة مع حصيلة الحكومة

مع تقديم رئيس الحكومة لحصيلته أمام مجلس النواب، كان المنتظر أن يشكل النقاش لحظة سياسية قوية، تُقاس فيها السياسات العمومية بميزان التحليل والنقد الرصين.

غير أن ما حدث خالف هذه التوقعات، حيث بدت معارضة “الرفاق” “والإخوة “تفشل في الرد على حصيلة الحكومة التي قدمها قبل يوم امس رئيس الحكومة بمجلس النواب وتختار الركون لخطاب “التناتيف” أو عادة جر الشعر، في مشهد أثار الكثير من التساؤلات حول مستوى الخطاب السياسي المعارض.

لقد اتسمت مداخلات بعض أطراف المعارضة بكونها خطاب يفتقد للتحليل والوقوف على ملامح الحصيلة الحكومية، حيث غابت المقاربات الدقيقة، وحضر بدلها التبسيط والشعارات الجاهزة.

وهذا التحول لا يمكن فصله عن السياق العام، إذ إذا كان من تبرير يمكن أن يبرر هذا السقوط الخطابي الذي تبنته بعض أحزاب المعارضة فلأن الزمن الانتخابي فرض نفسه لمحاولة تبني خطاب الشارع الهابط في محاولة لاستدراء عطف الشارع الذي تفاجىء بهكذا خطاب ركيك مرير.

إن الرهان على استمالة الرأي العام عبر خطاب شعبوي قد يمنح مكاسب ظرفية، لكنه يضعف في المقابل مصداقية الفعل السياسي ويقوض دور المعارضة كقوة اقتراحية ورقابية.

فالمعارضة، في جوهرها، ليست فقط معارضة للحكومة، بل هي أيضًا بديل محتمل، ما يفرض عليها تقديم قراءة نقدية مؤسسة، لا الاكتفاء بإثارة الانفعالات.

في المقابل، بدا أن عرض الحصيلة الحكومية اعتمد على منطق مختلف، حيث انتصر خطاب الأرقام والمنجزات وفشل خطاب اللغو الذي تبنته بعض أطراف معارضة.

فقد تم تقديم معطيات رقمية ومؤشرات ملموسة، سواء اتفق معها المتلقي أو اختلف، لكنها وفرت أرضية للنقاش الموضوعي، وهو ما لم تستثمره المعارضة بالشكل المطلوب.

إن اللحظة السياسية الراهنة تكشف بوضوح أن جودة النقاش العمومي ترتبط بقدرة الفاعلين على الارتقاء بالخطاب، بعيدًا عن الانزلاق نحو الشعبوية.

فالمواطن اليوم لم يعد يكتفي بالشعارات، بل يبحث عن تفسير، تقييم، واقتراح بدائل واقعية.

في النهاية، يبقى التحدي الحقيقي أمام المعارضة هو استعادة دورها الطبيعي كقوة نقد وبناء، لا كصدى لخطاب الشارع، لأن الرهان على الوعي السياسي للمجتمع يظل أكثر استدامة من الرهان على الانفعال اللحظي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى