الرئيسيةمقالات الرأي

كمال هشومي يكتب : من الجنازة إلى المصالحة.. قراءة سياسية في مبادرة السماح لناصر الزفزافي

 

ذ. كمال الهشومي

يبدو أن سماح الدولة المغربية لناصر الزفزافي، المعتقل على خلفية حراك الريف، بزيارة والده في المستشفى قبل وفاته، ثم تمكينه من حضور جنازته، هو حدث لا يمكن قراءته في بعده الإنساني فقط، بل هو كذلك إشارة ديمقراطية بالغة الأهمية في مسار ترسيخ دولة الحقوق. فهو من جهة يكرّس البعد الإنساني الذي لا ينبغي أن يُسلب من أي سجين، مهما كان نوع قضيته، ومن جهة ثانية يقدّم نموذجًا جديدًا في التعامل مع السجناء السياسيين، حيث لم تُسجَّل أي مظاهر للتضييق الأمني أو تقييد الحركة كما أكّد المعتقل نفسه، بل خُصّص له هامش للتعبير أمام جمهور المعزين والمتضامنين، بما حمَل من رسائل وطنية ومسؤولة.
هذا التطور يفتح الباب لثقافة حقوقية جديدة، تقوم على التمييز بين العقوبة السالبة للحرية وبين باقي الحقوق الأساسية للسجين، وخاصة الحق في التواصل الإنساني مع أسرته في لحظات حرجة مرتبطة بالحياة والموت مهما كانت طبيعة وموضوع متابعة النزيل. وهو ما يندرج ضمن ما يُعرف في النظم الديمقراطية بـ “الإفراج الإنساني المؤقت”، والذي ينظَّم عادةً في حالات زيارة قريب يحتضر أو حضور جنازة أحد الأصول أو الفروع، مع فرض قيود على الزمن والنطاق والحراسة.
وللتوضيح، فالسماح ليس قاعدة عامة ولا إجراءً بديهيًا حتى في أعرق الديمقراطيات. على العكس، فقد شهد التاريخ المعاصر حالات حرمان بارزة، مثل منع نيلسون مانديلا من حضور جنازة والدته سنة 1968 وجنازة ابنه ثيمبي سنة 1969 أثناء وجوده في جزيرة روبن، وهو ما يبيّن أن هذه القرارات تظل رهينة اعتبارات سياسية وأمنية بقدر ما هي رهينة نصوص قانونية.
أما التجارب المقارنة فتُظهر أن هذا النوع من الرخص المشروطة يخضع لثلاثة أنماط رئيسية:
1. تقدير المخاطر الأمنية: إذ غالبًا ما تُقيد الزيارات بزمن قصير، مع مرافقة أمنية مشددة ومنع أي تواصل إعلامي، كما هو الحال في ماليزيا وتركيا ومصر.
2. الإطار القانوني الانتقائي: فحتى مع وجود نصوص تنظم “الخروج الإنساني”، يبقى التطبيق انتقائيًا، حيث قد تصادق المحاكم على قرارات المنع كما حدث في أيرلندا الشمالية.
3. البعد الإنساني كمسوغ قضائي: حيث تسوق بعض المحاكم والهيئات في الولايات المتحدة وأوروبا التعاطف كأرضية للإذن بالخروج عند غياب خطر أمني حقيقي.
من هنا، يمكن القول إن المبادرة المغربية في حالة الزفزافي تحمل رسائل سياسية وإنسانية مزدوجة: فهي من ناحية تعكس رحمة الدولة بأبنائها، ومن ناحية أخرى تساهم في تخفيف ثقل حقوقي كان يضغط على سمعتها ومسارها الديمقراطي. وقد عبّر المعتقل نفسه عن ذلك في تصريحاته، مثمّنًا الخطوة ومحمّلًا كلماته إشارات إيجابية بأفق واضح ومسؤولة والتي يستفاد منها انها تدعو إلى طي صفحة الماضي.
إن الرهان اليوم هو أن تتحوّل هذه الإشارات المتبادلة إلى مبادرات عملية تفضي إلى عناق الحرية من طرف الزفزافي وباقي المعتقلين الذين يتقاسمون أفق كلمته، مقابل عناق الالتفاف على الوطن ومصالحه العليا من طرف الجميع. وهنا تكمن القيمة السياسية العميقة لهذه الخطوة والتي تعبر عن جعل رحمة الدولة بأبنائها جسراً نحو مصالحة وطنية، لا مجرد استثناء إنساني ظرفي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى